ها قد أتى اليوم الذي فيه سيُتمم الخلاص، اليوم المُرهب، العظيم، الذي لشِدّة كآبته وحُزنهِ أظلمت السماء في منتصف النهار، وبكت الخليقة حِداداً على موت المسيح. وها الساعة تقترب، والجنود تسرع الى جلد وتعذيب ذالك الإنسان الذي كان بمثابة تهديداً لسلطتهم، وسبباً لقضِّ عرش أمانهم! ونجد الكهنة تلَفِّق الأكاذيب تلو الأكاذيب، ليحيكوا مكيدةً خبيثةً يوقعون فيها يسوع. آه كيف كانت عيونهم مغلقة، لا يبصرون أنه هو الكاهن الأعظم، الذي لم يأتِ لينقض بل ليُتَمّم!

وبعد هذه المسرحية، يأخذونه الى بيلاطس الذي أمرَ بجلدهِ، وفي تلك الساعة كان للفادي كل السلطان والقدرة بأن يأمر ملاكاً من السماء، فَيَفِكَّ قيودهِ وينجّيهِ من هذا العذاب البشع. لكن الذي هو أبرع جمالاً من كل البشر، والذي وصفُهُ فاق كل وصف، وانتهى كُلَّ كلام وكُلَّ قولٍ فيهِ، نراهُ كمن لا جمالَ لهُ ولا منظر، وجههُ مغطى بالدّم الممزوج بالعَرَق والتُّراب. آه يا يسوع، لقد أسرتَ بهذا المنظر كُلَّ الألباب! ثم ليس لي ان أصف واستوعب قسوة ووحشية الجنود، أين ضميرهم؟ وكيف استطاعوا ان يتحمَّلوا هذا المنظر أمامهم ولا يُغطّوا وجوههم، أو يذرفوا دمعةً واحدة؟ بل كانوا عوض ذالك يضحكون ويستهزأون بكل غلاظة وتمادي. وبعد ذالك أجبروا ذالك الذي له الكلمة الاولى والأخيرة، أن يحمل صليباً ثقيلاً فوق جسدهِ الذي كانَ شبهَ ميتاَ، ومضى في طريق الآلام، ها هو يضع الجلجثة أمام عينيهِ ويسير بكل عزمٍ نحو تتميم مسَرّة الآب.   وفي الطريق فاجائني موقف تلك الجموع التي يبدو ان أحدهم سَحَرها أو رقى لها رُقية حتّى تبَدّل موقفها وتغير صوتها من: "أوصنا" إلى "أصلبهُ"، هل بهذه السرعة تناسوا، أنكروا الذي جال بوسطهم وشفى مرضى ربما كانوا هم أنفسهم منهم؟ 

وأخيراً بعد جهدٍ وعناء، وسقوط مرة تلو الأخرى وصل إلى الجلجثة، الى مكان تتميم الجريمة، وها أيدي الأثمة تدفعه بكل قسوة الى الصليب، مثَبِّتين إياه بمسامير. رُفعَ على الصليب بين أرضٍ  وسماء. وبعد ساعات رهيبة ومؤلمة مَرّت ببطىء شديد، صرَخ يسوع الصّرخة العظيمة التي زلزلت الأرجاء:"قد أُكمِل". نعم فالمسيح أكملَ العمل، اكملَ الخلاص، وأكملَ النُّبوءات، لقد أكمل الفداء. هو رَبٌّ كامل، ولا يصنع شيئاً إلّا وهو كامل. 

أين هم التلاميذ وسط هذا المشهد؟ لقد خابَ أملهم، ضاعَ رجائهم، فتراجعوا وتركوه وحده. حقاً ما أقسى هذه اللحظات التي حطّمت قلبهُ، فكيف لا، وهو الذي أحبّهم، وجعلهم رُسُلاً لمحبته.

لقد تَحَمّلَ المسيح كلَّ هذهِ الآلام : الجسدية، النفسية، الروحية من أجلي ومن أجلك. تخَيّل ذالك، إنه وان لم يكُن غيرك على هذه الكرة الأرضية، لَقَدّمَ الله هذا العمل خِصّيصاً لك! ألا يُلهب هذا قلبك؟ الا يجعلك تغار على اسمه، وترتدع في كل مرة تُقدِم على خطية تجرح قلبه المُرهف؟ 

لقد فتَحَ ذراعيهِ على الصليب لِيَضمك اليهِ، ليُرجعك الى مكان راحتك. فتَذكّر في كل مرة تنظر فيها الى الصليب، أن هذا المكان كان مُعَدّاً لك، وهذا القصاص والعذاب جزاءكَ أنت. لكنه أحبّكَ الى المنتهى ولم يشأ لك الهلاك. فهل تشكره وتُقَدِّرهُ وتعلن أن لهُ الإمتلاك؟ يا ليت في هذه الذكرى نسأله أن يكون هوالرب والملك، ونعيش له حاملين الصليب بدون خوفٍ أو ارتباك، ونشهد عن محبته، ونخطف نفوساً تسارع الى الهلاك! 

أحبائي القصة لم تنتهي عند هذا المشهد الكئيب، بل عند القبر الفارغ وصباح النصر العجيب.

فيا عيني لا تبكي ولا تذرفي الدموع 

فبعد الحزن والألم، بعد ليل كان فيه القلب موجوع

بعد ظلام وليلٍ وبردٍ، وذكريات من مشاهد نُقشت في القلب والضلوع

ها صباحُ الأحدِ لاحَ، وأشرقت الشّمسُ في الرُّبوع

الحجر قد تدحرج، وانتفضَ الحُراسُ وهَمّوا في الرجوع

وملاكٌ أعلنَ الإعلان الأعظم: "ليسَ هو ههنا، لقد قام" ، قام يسوع

ومريمات انطلقنَ بدهشةٍ وفرحةٍ ليُعلنوا بالصوت المرفوع:

" قامَ المُخَلّص، قام الرب. إفرحوا يا تلاميذ، إفرحوا يا جموع"!

قام الرّب وانتصر، داكّاً حصون القبر وأنار ظلامه

فلو لم يقم، لَما قُمنا من خطايانا وقبورنا الباردة، ولم يكن لنا الإستحقاق ان نقِف امامه!

(يوحنا 20)

 

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا