إحتلال العرب لمدينة القدس (١) مقدمة

تكبير الخط نص تكبير الخط

لقد بدأت موجة جديدة من النقد التاريخي الديني للفتح الإسلام، بعد محاولة تأسيس حزب مصري جديد يرفض عروبة مصر، على رأسه الكاتب المعروف سيد القمني، كما نقلته وكالة أنباء إيلاف في ١٤ / ٢ / ٢٠٠٤؛ ومن تصريحاته، كما أوردتها الشبكة:
"نحن لسنا عربا بل مصريون، الفتح العربى لمصر لم يكن سوى احتلال، ارتباط مصر بالعرب أدى لتراجعها ونسيانها لقيمها الحضارية. هكذا، يرى المؤيدون لهذه الدعوة أن مصر ضحت بكل تاريخها وخضعت لأفكار محتل سلبها شخصيتها المتفردة."

لقد استمر سيد القمني في هذا النهج إلى اليوم، في برامج ومقابلات كثيرة، مما أثار ولا زال يثير الكثير من الاستياء لدى المسلمين؛ الذين يعتبرون الفتح الاسلامي بمثابة نعمة وبركة لتلك الشعوب؛ ويعتبرونه شرعيًا تمامًا لأنه أتى من قبل الله، كما يعتقدون.

لقد أثار ذلك التوجه رغبتي بالبحث عن الاحداث التي صاحبت دخول العرب لمدينة القدس. سيقتصر هذا المقال على استطلاع للرأي من أشهر الكتب وأشملها في هذا الموضوع، وهو كتاب "المفصل في تاريخ القدس"، للكاتب عارف العارف، الطبعة الخامسة، سنة ١٩٩٩، مطبعة المعارف، القدس. وطرحي سوف لا يقدم تأييد أو رفض لما يطرحه عارف العارف، بل تحليلي ورأيي الخاص للحقائق، على ضوء ما يقدمه من حقائق. وأيضًا سأطرح مفارقة من ما بين ما عمله المسلمون العرب، وما عمله اليهود في احتلالهم المعاصر لأرض فلسطين.

هل احتل العرب المسلمون أرض فلسطين؟ أم حرروها من البيزنطيين؟

سنرى من خلال الكثير من الحقائق، أن العرب المسلمين في الحقيقة احتلوا فلسطين ولم يحرروها؛ وهم كانوا غزاة، اخذوا أرضًا ليست من حقهم. وفيما يلي بعض البينات على هذا الجواب:

لم يعرف المسلمون بما يسمون به مدينة القدس:

لم تكن القدس تسمى بـ "القدس" ولا بـ "القدس الشريف"، في منتصف القرن السابع؛ بل بـ "إلياء" (ص ٩٣). فهو إسمٌ دعاه الامبراطور الروماني هدريان على القدس "إليا كبتلينا" (Aelia Capitolina)؛ بعدما أعاد بناءها حوالي سنة ١٣٠ م، كمدينة رومانية (ص ٦٨). والمهم ذكره هنا، هو أن العرب استخدموا نفس الاسم الذي استخدمه الاحتلال الروماني؛ مما يبرهن على أن العرب احتلوها، ولم يحرروها كما يزعمون. فلو تمكن الفلسطينون مثلاً من استرجاع أرض فلسطين، فهل كانوا سيسمونها "أرض إسرائيل"، بحسب الاسم الذي وضعه المحتلين؟ أم سيسمونها باسمها الذي يؤمنون به، وهو " أرض فلسطين"؟؟ فنرى أن العرب سموها إلياء، وذلك في جميع الوثائق الإسلامية القديمة، وعلى رأسها، العهدة العمرية (ص ٩٣)، مما يبرهن أنهم لم يعرفوا الكثير عنها، فاستخدموا الاسم الذي وضعه الاحتلال الروماني لها. جدير بالذكر أيضًا، أن الأسماء التي استخدمها المسلمون فيما بعد للقدس، كانت أسماء يهودية؛ فالقدس "הקדש"، هو إسم يطلقه كتاب العهد القديم على قدس الأقداس في الهيكل وأيضًا عن المدينة نفسها؛ أما قرآن المسلمين، فلم يذكر قط كلمة "القدس" أو أي كلمة من مرادفاتها.

أما من جهة نبي الإسلام محمد، فقد روي أنه قال لشداد بن أوس: " إلا أن الشام ستفتح، وبيت المقدس ستفتح، وتكون أنت وولدك أئمة بها إن شاء الله.” (ص ٨٤).
لكن الغريب في الأمر، هو أن كلمة "بيت المقدس"،  التي استخدمها نبي الإسلام محمد، هي كلمة يطلقها اليهود عن الهيكل المقدس، "בית המקדש” "بيت ها مِقْداش"؛ مما يبرهن بوضوح أن نبي الإسلام فهم عن مدينة القدس، فقط ما استقاهُ وتعلمه من اليهود الذين عاصرهم في الجزيرة العربية؛ لأن هذا التعبير لم يرد في كتاب العهد القديم أبدًا، وهو مصطلح خاص باليهود وحاخاماتهم فقط في فترة الهيكل الثاني.

إن نبي الإسلام نفسه، يعترف أنه سيحتل القدس:

إن تاريخ السيرة النبوية الإسلامية، يعلم أن نبي الإسلام محمد حاول ثلاث مرات فتح القدس؛ من السنة الثانية إلى الحادية عشر للهجرة (ص ١١٢).  أيضًا عبر عدة مرات عن رغبته في احتلال القدس؛ وذلك في عدة أحاديث منها:
" ...فمن احتل ساحلاً من سواحل الشام وبيت المقدس، فهو في جهاد إلى يوم القيامة.” (ص ٨٤).
لاحظ في هذا الحديث، أن نبي الاسلام نفسه، يستخدم كلمة "احتل"، فكيف يدعي المسلمون العرب أنهم لم يحتلوا الأرض؟؟

إذًا يؤكد نبي الإسلام بنفسه هنا، على نيته لاحتلال القدس، كما رأينا في هذا الحديث؛ بعدما أكد نبي الإسلام للمسلمين في القرآن، بأن الله أعطى الأرض لليهود في القديم:
" وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا " الإسراء ١٠٤.
ذكر في تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي، عن قوله تعالى: { مِن بَعْدِهِ } أي: من بعد موسى؛ وعن عبارة { ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ }، قال الشعراوي أن أغلب العلماء قالوا: أي الأرض المقدسة التي هي بيت المقدس.
وأيضًا قال نبي الإسلام عن قول الله لبني إسرائيل: “ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ" (سورة المائدة ٢١).
وهنا يعترف القرآن أن الله كتب أرض فلسطين لليهود، وليس للعرب ولا للمسلمين.

القدس قديما
صورة قديمة للقدس - بين 1800 الى 1900 م

أيضًا نرى من خطاب عمر للشعب قبل مغادرته القدس، هو بنفسه يعتبر أنه احتل القدس، حيث يقول أن الله أورثهم البلاد، ومكن لهم في الأرض، ولم يقل أنهم تمكنوا من استرجاع أو تحرير الأرض:
“يا أهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد. نصركم على الأعداء. وأورثكم البلاد. ومكن لكم في الأرض...” مما يدل على أن عمر يعتبر هذا احتلال أرض، وليس استرجاع أرض، كما يدعي المسلمون اليوم. (ص ١٠٠-١٠١).
فأصبح المسلمون هم المالكين الشرعيين للأرض، بعد أن مكنهم "الله" من الانتصار على الأعداء. أمَّا الأعداء، فهم مريجٌ من اليونان البزنطيين، وسكان الأرض الفلسطينيين الشرعيين، المسيحيين واليهود؛ الذين أصبحوا غرباء ونزلاء تحت رحمة المحتلين المسلمين، كما سنرى في المقال القادم.
 
طبعًا اعتبر  المسلمون بأن هذا الميراث، كما سماه عمر، من حقهم؛ وذلك بناءً على إيمانهم الديني الخالي من أي امتياز تاريخي. فلم يذكر التاريخ الإسلامي بأن نبي الإسلام زار مدينة القدس، ولا حتى مرة واحدة. أما من جهة رؤية إسراء نبي الإسلام لمدينة القدس، فهذا ليس حدث تاريخي بل قناعة إيمانية للمسلمين لا تعطيهم أي حق في الأرض؛ ولم تذكر آية الإسراء أبدًا مدينة القدس بالاسم، بل أقحم المسلمون مدينة القدس على النص، الذي لم يذكرها. فلماذا يحرمون على اليهود تأسيس دولة على أرض فلسطين، وهم الذين عاشوا في هذه الأرض، ومعظم أنبيائهم تنبأوا فيها، وخاضوا ثورات لتحريرها؟ كثورة المكابيين ضد السلوقيين وبار كوخبا ضد حكم الامبراطور هدريان الذي ذكرناه؛ الذي تبع المسلمون خطاه من جهة تسميته لمدينة القدس.

إن معظم المؤرِّخون العرب يدَّعون أن العرب كانوا أوائل من سكنوا أرض فلسطين؛ فيدعون أن الكنعانيين واليابوسيين هم عرب. أيضًا عارف العارف يقول بأن العرب احتلوا الأرض حوالي سنة ٣٧٥٠ قبل الميلاد (ص ٨٣)؛ لكن هذا الادعاء مرفوض من معظم المؤرخين وعلماء الآثار وخالي من أي دليل. نعم لقد كانت بعض القبائل العربية في فلسطين في القديم، وورد ذكرهم في الكتاب المقدس؛ لكن هذا لا يعطيهم الحق في احتلال الأرض؛ وإلا لكان الأتراك لهم حق في الأرض أيضًا، لأن الحثيين أتوا من تركيا؛ والعراقيين لهم حق في الأرض، لأن الأموريين أتوا من هناك؛ واليونانيين أيضًا لهم حق في الأرض، أي البيزنطيين، لأن الفلسطينيين أتوا من اليونان؛ فهذه الحجة لا تسوغ لفكر أي إنسان يريد أن يفكر.

أما العهد الجديد، فذكر العرب كأحد الشعوب اليهودية التي أتت من بعيد، يوم الخمسين لتعيد عيد الأسابيع: “10 وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاَءُ 11 كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللهِ؟». أعمال ٢.
مما يبرهن أن مثالهم مثال، المصريين والليبيين والكريتيين (اليونانيين)، أي شعب غريب أتى من أرض بعيدة لا يتكلم لغة كنعان، العبرية والآرامية.

لقد آن الأوان أن نبدأ حركة نقد للذات، واعتراض على الكثير من المناهج الكاذبة التي تُعلم في مدارسنا التي تحمل في طياتها أن العرب حرروا الأرض ولم يكونوا غزاة. بل كانوا غزاة، واحتلوا الأرض وأذلوا سكانها الشرعيين الفلسطينيين، وعاملوهم كما عاملوا الأجانب البيزنطيين تمامًا، كمواطنين من الدرجة الثانية؛ كما سنرى في المقال القادم.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
إن هذا المقال سيجيب على سؤال هام؛ وهو كيف تعامل العرب المسلمون مع سكان الأرض الشرعيين، وهم الفلسطينيين؟ هل عاملوهم كما تعاملوا مع اليونان البيزنطيين؟ هل استبدلوا السكان المحليين بمهاجرين جدد؟
ما هي حقيقة عدم صلاة عمر ابن الخطاب في كنيسة القيامة؟ كيف كان شعور السكان المحليين من الفتح الإسلامي؟ هل يستطيع المسلم ان يواجه ماضيه بشجاعة وقلب مفتوح ونزيه، لكي يستطيع أن ينطلق إلى الأمام
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader