في جبل الله حوريب، كان إحدى رعيان مديان الذي يدعى موسى، يرعى غنم حميه يثرون. بالنسبة له كان يوماً عادياً، فيه استفاق من نومه وانهمك في مشاغل حياته. ربما كان يفكر كيف يطور حياته ويقوم بخطوة تحقق انقلاباً هائلاً في أموره المادية، أو ربما كان يفكر في علاقته الزوجية والعائلية ككل، أو لربما كان يتصارع مع تأنيب الضمير الذي راوده منذ هرب من أرض مصر، عندما أفشي سره العظيم بأنه قتل رجلاً مصرياً (خروج 14:2). موسى - إبن ابنة فرعون هو قاتل! يا له من عار أصعب من أن يحتمل لدرجة أن الهرب هو الوسيلة الأنجع للتخلص منه واللجوء إلى أرض مديان الغريبة.

لكن في هذا اليوم كان لله مخطط آخر بشأنه، عندما ظهر له بصورة نار وسط العليقة، ووضع على عاتقه مسؤولية إخراج شعبه الصارخ والمتألم من أرض العبودية ليأتي به إلى أرض الموعد، أرضاً تفيض لبناً وعسلاً. وبعد مساومة دامت طويلاً ومحاولاته  البائسة لإلقاء الهم عنه، أدرك موسى أخيراً أن عليه تلبية الطلب، والقيام بإخراج شعب اسرائيل من العبودية.

تعكس شخصية موسى شخصيتنا في عدة مواقف في حياتنا. ففي وقت قد لا نتوقعه ولا نتحضر إليه يأتي كلام الرب لنا على شكل أمر محتوم لا يمكن مناقضته، مما يتطلب منا رد فعل فوري. حتماً، فكلام الله لنا قد يأتي في وقت نرى فيه أنفسنا غير مؤهلين لأن نكون بعلاقة معه، إما لسبب انشغالنا في أمورنا الشخصية أو إما لسبب وجود خطية في حياتنا تقف كحاجزٍ لشركة مستمرة معه. لكن الله أمين، يفتقد شعبه ويفحص القلوب والكلى، ولا يشاء أن يهلك أحد بل أن يقبل الجميع إلى التوبة (2 بطرس 9:3). ولأجل ذلك يأتي بدعوة إلينا جميعاً للرجوع إليه بالرغم من خطايانا وهروبنا إلى أرض الغربة بعيداً عن الحياة المسيحية. بالرغم من ابتعادنا عنه وإحزان الروح القدس، فإن الله يبادر في صنع السلام معنا، وربط عهدٍ جديدٍ معنا.

ونجد على مر الأجيال مبادرات الله لصنع السلام مع شعبه ولا سيما بعد حدوث العصيان وانتشار الخطية، وتمثل قصة خروج شعب إسرائيل إحداها، إذ يخبرنا الكتاب بأن أنين الشعب وصل إلى مسامع الله، وبناءً على ذلك تذكر ميثاقه مع ابراهيم، اسحاق ويعقوب ( خروج 24:2). وذلك يحملنا للوصول إلى عدة استنتاجات عملية لحياتنا اليومية:
1) الله جاهز دائماً لأن يصنع معنا السلام، وهو جاهز لأن يتعامل معنا في كل الظروف وفي كل الأوقات، لكنه يرغب في أن نكون نحن أيضاً مبادرين في استرجاع الشركة المقدسة معه، بعد أن كسرت لسبب الخطايا. ويدعونا الله لاسترجاع العلاقة معه من خلال الصلوات، الصوم، الإنكسار وتنقية القلب، ويتبع ذلك الصبر وترقب مواعيد الله بثقة وإيمان.
2) تتحقق وعود الله في أوقات لا نتوقعها، وهذا يتطلب منا أن نكون في تأهب مستمر، كما أوصانا الرب يسوع، قائلاً: "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة..." (متى 41:26). أي يتوقع الله منا أن نكون مستعدين دائماً لتتميم مشيئته في حياتنا، وأن ننمو روحياً معه يوماً بعد يوم لنتحول عن أشكالنا القديمة ونصبح أكثر شبهاً لشكل وصورة المسيح.
3) يعطينا الله فرصة لكي نصحح تجاربنا السابقة بالرجوع إلى نفس التجربة وإعادة تصليحها. وقد تكون التجربة عبارة عن علاقة حميمة كسرت، أو أي نوع من الفشل، أو ظروف صعبة. ولا يستكفي بأن يعيدنا إلى نفس التجربة، وإنما يعيدنا كمنتصرين، كما حول موسى الجبان إلى موسى القائد المنتصر.

إن قصة موسى صانع السلام لم تنته هنا، وحين أصعد شعب إسرائيل، وقت رحلة الخروج، ازدادات مسؤوليته اتجاه الله والشعب، ولم يرضى التراجع بالرغم من التذمرات الشديدة من قبل الشعب (خروج 2:16). وقد اجتاز العديد من التجارب الجسدية والإختبارات الروحية، ولعل أعظم اختبار روحي مر به هو عند تشفعه أمام الله من أجل الشعب حينما رغب الله في إفناءهم لأجل عصيانهم (خروج 32: 9-14). في هذا الموقف ترجى موسى الله في أن يرجع في قراره لإفناء شعبه، بالرغم من أن الله وعده بأن يصيره أمة عظيمة. لكن موسى أبى في أن يحدث هذا الفناء، وابتدأ بتذكير الله في أعماله العظيمة في مصر، ورد فعل المصريين حين يسمعون عن إفناء الشعب، عندما سأله في العدد 12: "لماذا يتكلم المصريون قائلين اخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الارض". وهكذا ومن بعد التماسٍ دام طويلاً، وصراخ نابع من القلب، ندم الله عن الشر الذي كان مزمعاً أن يوقع على شعبه الخاطي، وتذكر ميثاقه الأبدي مع ابراهيم، اسحاق ويعقوب.

في تلك الأثناء كان الشعب منشغلاً في ممارسة خطاياه الشنيعة، غير عالمٍ أن شخصاً واحداً!! في تضرعه وصراخه إلى الله، أنقذ كيانه ووجوده على الأرض. ويخبرنا الكتاب المقدس عن سبب قيام موسى بهذه الخطوة الجريئة، بالرغم من خطايا الشعب الكثيرة، وتذمره اللامتناهي عليه وعلى هارون (عبرانيين 11: 24 - 29). وما وراء أعمال موسى يقف الإيمان.   إن الإيمان هو الذي زرع الغيرة في قلب موسى لأن يرفض حياة المتعة الوقتية في البلاط الملكي المصري وأن يختار حياة الذل مع شعب اسرائيل. وليس ذلك فقط، وإنما كان منتظراً مجازاة الله له لكونه صانع سلام حقيقي متشبه بصورة المسيح التي نسعى كلنا لأن نأخذها. إن قصة الخروج تعلمنا العديد من العبر الروحية والإجتماعية، ونذكر بعضاً منها:
1) لا يتهاون أحد منا بقدرته على إحداث التغيير، ولا يقل لنفسه أنه غير مؤثر كفرد. لطالما نحمل في رسالتنا قوة الله صاحب السلطان، ونسعى لصنع السلام فإننا نتكلم بسلطان وبقوة الروح القدس. وإن كان موسى الواحد قادراً على إحداث تغيير في شعب يصل تعداده إلى الملايين، فبالفعل نستطيع كأفراد أو حتى كجماعات، أن نحدث تغييراً ملموساً في بيئتنا.
2) يقودنا الإيمان بالرب يسوع إلى القيام بتنازلات عظيمة جداً مثل التنازل عن عادات سيئة اتخذناها، أو عن أسلوب حياة غير لائق والأعظم منها كلها الإستغناء عن الذات. فقط من خلال التضحية والتنازل، يمكننا أن نكون في شركة تامة معه.
3) استغناءنا عن المتعة الوقتية في الخطية واختيارنا لممارسة حياة القداسة، يفاقم مقدار كنوزنا السماوية، ويأتي بالمجد للرب يسوع. وقد يكون اجتيازنا في محنة صعبة، أو المرور في ضيقات بمثابة عراقيل أمامنا، لكن فقط الذي يصبر ويثق ثقة تامة بمقدرة الرب على رفعه من الضيقات، يستطيع أن يبنى رؤيا لحياته يتواجه فيها مع الضيقات بطريقة ناجحة وبقوة الروح القدس. كما أوصانا الرب يسوع: "بصبركم اقتنوا أنفسكم" (لوقا 19:21).

خلاصة: كل واحد منا مدعو لممارسة حياة القداسة، صنع السلام، القيام بخدمة المصالحة وكسر القيود الروحية بيننا وبين جميع الناس الذين حولنا. ولا ننظر لأنفسنا كأننا ضعفاء وغير قادرين على إحداث التغيير في المجتمع. لنتذكر قصة موسى كيف استطاع بقوة روح الله أن يقود شعباً كاملاً رغم المخاوف التي راودته منذ البداية.
يبدأ التغيير في الداخل، لكي نستطيع إحداث التغيير في المجتمع، ينبغي علينا إحداث التغيير في أفكارنا، معتقداتنا، رؤيتنا، والتغلب على ضعفاتنا.
الآن... هو الوقت الملائم لبداية إحداث التغيير، وكل هذا يتطلب منا شرطاً واحداً: إيمان بالرب يسوع بمقدار حبة الخردل!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا