كيف تستطيع فتاة قد يكون عمرها أربعة عشر عاما أن تغيّر العالم؟ عاشت مريم في مجتمع متشدد وفي زمان انتشر فيه ظلم المرأة. ولم تكن المرأة قادرة على إعالة وحماية نفسها في مجتمع ذكوري يستخف بها. وعندما نتأمل في عرض لوقا لقصة مريم نكتشف عدة عناصر حولت هذه الفتاة البسيطة إلى أعظم امرأة روحية عرفها التاريخ المسيحي. ليس ذلك فحسب بل هي أيضا نموذجا للتلميذ المسيحي ونقطة تحول في تعامل الله مع البشر. ونجد في حياة مريم عدة عناصر أساسية لحياة التلميذ المسيحي وهي: النعمة (لو 1: 28، 30)، معية الله (لو 1: 28، 31، 35)، الإيمان (لو 1: 45)، الخضوع (لو 1: 38)، والتسبيح (لو 1: 46–56).

أولا، قررت السماء أن تأخذ المبادرة وتمنح مريم شرفا بدون استحقاق. فلم تفعل مريم أمرا لتستحق أن تكون أما للمسيح ولم تكسب امومتها للمسيح بعد أن حققت أكبر عدد من الانتصارات الروحية. كانت فتاة الناصرة، العذراء المباركة، في بداية حياتها ولكنها كانت منفتحة أن تقبل نعمة الله وهديته المجانية إذ منحها الله كنز السماء ومشتهى كل الأمم. فبعد أن كانت منعم عليها من الله (لو 1: 28) وبعد أن وجدت نعمة عند الله (لو 1: 30) سكنت فيها نعمة الله المخلصة لجميع الناس (تي 2: 11). ولقد ظهرت النعمة في مواقف مريم. فبالرغم من اضطرابها من كلام الملاك جبرائيل لم تبح بما في قلبها، وبالرغم من استحالة قول الملاك وعدم وجود حالات مشابهة في العهد القديم، لم تتسرع في إصدار الأحكام والقرارت بل وجهت سؤالا استفهاميا وعندما علمت أن اليصابات حامل توجهت لخدمتها وذهبت بسرعة (لو 1: 39). وعندما قال لها سمعان الشيخ أن السيف سيخترق قلبها (لو 1: 35) لم تعترض أو تجادل. وعندما اخبرها المجوس بقصتهم حفظت كلامهم في قلبها وكانت تتفكر وتتأمل بخطة الله (لو 2: 19، 51). لقد امتلأت حياتها بالنعمة الإلهية.

ثانيا، اختبرت مريم حضور الله ومعيته بصورة متميـزة. أحست بحضوره بالنبوات التي سمعتها من كلمة الله وشعب الله: سمعان الشيخ وحنة النبية واليصابات. واختبـرت حضوره بواسطة الملائكة الذين ظهروا لها وظهروا أيضا ليوسف خطيبها وظهروا مرة أخرى للرعاة. وفكرت في حضور الله بواسطة النجم الذي قاد المجوس إلى الطفل يسوع. ولكنها تمتعت بأعظم حضور لله عندما حل عليها الروح القدس وسكن فيها ابن الله. وصارت ترى الله كل يوم عندما تأكل وتشرب وتلعب وتتحدث إلى الجيران. لقد كان الله معها في كل مكان وشكل حضوره كل حياتها ورغباتها وأحلامها.

ثالثا، تمتعت مريم العذراء بالإيمان. ولقد قالت عنها اليصابات: "طوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب" (لو 1: 45). آمنت مريم أن الله سيدبر الأمور مع خطيبها يوسف وأنه سيرتب الأمور مع المجتمع الذي قد يتهمها بأمور ترعب كل فتاة يهودية في زمنها. وآمنت بقول الملاك المتعلق باليصابات وآمنت بأنها ستحبل دون زرع بشر. وآمنت أنها ستنجو من سطوة هيرودس. لقد آمنت أنه "ليس شيء غير ممكن لدى الله" (لو 1: 37).

رابعا، امتازت مريم بالخضوع لله. فقالت للملاك: هوذا أنا أمة الرب. ليكن لي كقولك (لو 1: 38). وخضعت للرئاسات والسلاطين. فبالرغم من أنها حامل في شهرها الأخير تركت الناصرة لتطيع أمر اوغسطس قيصر (لو 2: 1) وتذهب إلى بلدها في بيت لحم لأنها من بيت داود وعشيرته. وخضعت ليوسف خطيبها عندما اخبرها أن الله يريد منهم أن يغادروا ارض اسرائيل ويهربوا إلى مصر (مت 2: 13). وخضعت لصوت الله عندما طلب منها أن تعود إلى ارض اسرائيل (مت 2: 19) وخضعت ليوسف الذي طلب منها أن تسكن في الناصرة (مت 2: 22–23). خضعت لله عندما كلمها بكلمته أو عن طريق ملاك او عن طريق يوسف او حتى عن طريق السلطات. فهي تعلم أن العلي متسلط في مملكة الناس.

خامسا، كانت مريم امرأة مسبحة تترنم لله وتعظمه (لو 1: 46–55). فلقد سبحت الله لأنه أكرمها بميلاد المسيح منها (لو 1: 48) ولأنه صنع عظائم (لو 1: 49) ولأنه رحيم نحو شعبه (لو 1: 50) ولأنه ينصر المهمشين والضعفاء والفقراء والمظلومين (لو 1: 51–53).

هذه الصفات الموجودة في مريم هي درب كل تلميذ يتبع المسيح بصدق وأمانة. فيجب علينا أن نختبر نعمة الله ونقبل هديته المجانية العظيمة أي يسوع المسيح. ويجب أن نكون في محضر الله كل حين مؤمنين بكلامه وخاضعين لسيادته ومسبحين أعماله وطبيعته. سأتكلم في المقال القادم عن خدمة العذراء.

إقرأ المزيد المقالات من نفس السلسلة:
(1) مريم العذراء
(2) دعوة مريم العذراء
(4) خدمة العذراء

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا