سأقدم سلسلة من التأملات المتعلقة بمريم العذراء خلال موسم الميلاد. وهذا هو التأمل الأول.

يدعو التقليد الكنسي مريم العذراء بأسماء كثيرة. فلقد دعوها بسُلم يعقوب إذ ارتبطت الأرض مع السماء بواسطة العذراء. وقالوا عنها أنها الحمامة متذكرين ما حصل مع نوح. فبعد أن أرسل نوح غرابا لم يأتيه بأخبار سارة أرسل الحمامة فأتت إليه تحمل ورقة زيتون خضراء. ولقد ظن البعض أن هذه الورقة رمز للمسيح له المجد.

وأضاف آخرون قائلين: أن مريم هي المجمرة الذهبية التي تحمل داخلها الجمر المختلط بالنار مما يدل على ناسوت ولاهوت المسيح. وشبهها آخرون بتابوت العهد الذي يحمل داخله المن السماوي ولوحي الشهادة. ويرمز كلاهما للرب يسوع المسيح إذ هو خبز الحياة وكلمة الله. أضف إلى ذلك، يعتقد البعض أن مريم هي الهيكل الذي حل فيه الله الابن حلولا أقنوميا مما جعل اختبارها يختلف عن باقي الجنس البشري حتى عن أولئك الذين حل عليهم الروح القدس يوم الخمسين. فلقد سكن في أحشاء مريم الله الابن المتجسد وحل عليها الروح القدس الطاهر واختارها الآب كلي القداسة.

وتتعدد النظريات المتعلقة بمريم. تارة قلّلوا من شأنها وتارة أخرى رفعوا شأنها أكثـر مما يسمح به الكتاب المقدس. وتحدثت بعض النظريات عن أمور لم يذكرها الكتاب المقدس أو لم يشرح تفاصيلها. فأصر البعض على ديمومة بتولية مريم. فهي بتول قبل حبلها وأثناء ولادتها للمسيح وبعد ولادتها. وهكذا يكون ميلاد المسيح ميلادا عذراويا معجزيا. وفي القرن التاسع عشر، سنة 1845 م.، أكدت الكنيسة الكاثوليكية، خلافا لمعتقد الكنيسة الانجيلية، أن مريم العذراء حُبل بها بلا دنس معتبرين هذا الأمر عقيدة كنسية لا يمكن التخلي عنها. وموجز العقيدة أن مريم بدون خطيئة أصلية بسبب استحقاقاتها ونعمة الله عليها. ولهذا وُلدت من أبويها بدون خطيئة. وفي القرن العشرين، سنة 1950 م.، أكدت الكنيسة الكاثوليكية عقيدة أخرى وهي أن مريم العذراء صعدت إلى السماء بجسدها. وبالرغم من أن الكتاب لا يُمانع صعود اشخاص إلى السماء باجسادهم، فلقد حصل هذا الأمر مع اخنوخ ومع ايليا ومع السيد المسيح، إلا أن الكتاب لا يذكر صعود مريم بالجسد إلى السماء. بإيجاز، شغلت مريم العذراء مخيلة الكثيرين.

في ذات الوقت تحاشى الكثيرون الحديث عن مريم العذراء بالرغم من ذكرها في الكتاب المقدس في أكثـر من مناسبة. على سبيل المثال لا الحصر، ذكرها سفر التكوين إذ قال أن المخلص سيأتي من نسل المرأة وذكرها أشعياء النبي إذ قال أن عمانوئيل سيوُلد من عذراء. وذكرها العهد الجديد مؤكدا أن جميع الأجيال ستطوبها. فمن غير المقبول تجاهل عمل الله في هذه القديسة المتميزة. ومن غير المقبول أن نسمّي البنايات باسم بيلي جراهام ومودي وغيرهم ونتحاشى ذكر العذراء المطوبة من جميع الأجيال. أضف إلى ذلك، تمادى البعض في تحريف الكتاب المقدس مدّعين أن حبل العذراء بواسطة معجزة إلهية هو أسطورة تتشابه مع أساطير الشعوب القديمة. وتجرأ البعض ليتعدّوا على سمعة العذراء الطاهرة وعلى ابنها السيد المسيح كما حصل عند بعض اليهود الذين استخدموا كتاب "تولدوت يشو" وقالوا أمورا تتعلق بهوية والد المسيح أرفض ذكرها في هذا المقال.

بالختام، أدعو أحبائي القرّاء التأمل في هذا العيد بشخصية مريم العذراء وما مثلته من طهارة وأمانة وتضحية. وسوف نتأمل معا بنعمة الله في دعوتها وقوتها وخدمتها في الأيام القادمة.

إقرأ المزيد المقالات من نفس السلسلة:
(2) دعوة مريم العذراء
(3) سر قوة مريم العذراء
(4) خدمة العذراء

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا