بعد أن تحدث لوقا عن اختيار الكاهن زكريا من بين أكثر من ثمانية عشر ألف كاهن إذ أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر، بيّن لنا البشير لوقا عودة شمس النبوة بعد أكثر من أربع مئة سنة من انقطاعها. وظهر ملاك الرب جبرائيل ليتحدث عن ولادة يوحنا المعمدان وعن زمن قريب لا تظهر فيه النبوة فحسب بل يعمل فيه روح الله ويُعلن فيه مجدُ الرب ويراه كلُ بشر. واختار الله عذراء من الناصرة لتكون هيكله الجديد الذي لا يسكن فيه فحسب بل يلبس من خلاله حُلة الناسوت. فدعونا نتأمل معا في اختيار مريم كما نجدها في إنجيل لوقا. وسوف نتحدث عن دعوتها واختيارها من ثلاث زوايا: الرسول، الرسالة، والمُرسل اليه.

أولا، حمل جبرائيل رسالة السماء إلى مريم. ولقد قال عنه سفر طوبيت الابوكريفي أنه أحد الملائكة السبعة التي تقف أمام الله وذكره سفر أخنوخ مؤكدا أنه واحد من رؤساء الملائكة الأربعة: ميخائيل، جبرائيل، أوريئيل، ورفائيل. وذكر التقليد اليهودي أن ميخائيل هو ملاك الحرب أما جبرائيل فهو ملاك الأخبار السارة، لهذا أضافوا أن ميخائيل يطير بجناح واحد أما جبرائيل فيطير بجناجين لأن الله يفضل نشر الأخبار السارة بسرعة. وجبرائيل مندوب الأخبار السارة. ولقد ذكر الكتاب المقدس جبرائيل في أربعة مواقع. فهو الذي تحدث إلى زكريا وبشره بولادة يوحنا وهو الذي ظهر لمريم العذراء وبشرها بولادة المسيح. وظهر جبرائيل أيضا في العهد القديم في سفر النبي دانيال (دا 8: 16؛ 9: 21). وساعد جبرائيل النبي دانيال إذ فسر له الرؤيا المتعلقة بوقت المنتهى. ثم ظهر له ثانية وكشف له سرا عظيما إذ أعلمه بمجيء البر الأبدي وبمسح قدوس القدوسين وبالمسيح الرئيس الذي سيثبت عهدا مع كثيرين. ويبدو أن الفصل التاسع من دانيال مرتبط بالسيد يسوع المسيح. وهكذا يكون جبرائيل هو الملاك الذي انتظر مئات السنين متأملا بالرسالة السماوية. ولا تشيخ الملائكة أو تضجر من التفكير بعمل الله. ولهذا يعلمنا الرسول بطرس أن الملائكة تشتهي أن تتطلع على الأمور المتعلقة بالمسيح (1 بط 1: 9-12). في ضوء هذا الأمر، اعتقد أن جبرائيل كان متشوقا ومتلهفا لتتميم العمل الذي أعلنه الله من خلاله. وهكذا زار جبرائيل الناصرة ليتحدث عن قدوم المسيح الذي سينهي فترة السبي ويؤسس المملكة التي لن تنتهي. وبعد أن سمع جواب مريم صار مرسلا من الأرض إلى السماء. وكانت جماهير الملائكة تنتظره ليعلمها بأخبار الناصرة.

ثانيا، بعد الحديث عن الرسول نريد أن نتحدث عن الرسالة. ونجد رسالة الملاك في ثلاثة أجزاء: التحية (لو 1: 28) والنبوة (لو 1: 30–33)، والشرح (لو 1: 35–37). وتختبر مريم في هذه الآيات حضور الثالوث إذ نسمع عن العلي وقوته وابن العلي وعظمته والروح القدس. لقد أعلم الملاك مريم أن الرب معها والابن فيها والروح عليها (لو 1: 28، 31، 35). حضور الله معها هو علامة بركة الله التـي حلت على أبطال وبطلات الإيمان عبر العصور ولكن حضور الله فيها إنسانا متجسدا هو شرف لم يخطر على بال إنسان ولن يتكرر. هو شرف لامرأة واحدة فقط. لقد أعلم الملاك جبرائيل العذراء بأنها ستحبل بولد يُدعى ابن العلي. قد يظن البعض أن حبل العذراء سيتم بعد زواجها من خطيبها يوسف، فلا يوجد أي تعليمات في كلام الملاك تبين أن الحبل سيتم الآن أو لحظة انتهاء كلام الملاك جبرائيل. ولكن يبدو أن العذراء فهمت ببصيرتها أنها ستحبل بدون يوسف فسألت: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا (لو 1: 34)؟ أجاب الملاك أن الروح القدس سيصنع معجزة لم تصنع من قبل. وسيحل الله على إنسان بطريقة لم تحصل ولن تحصل مرة أخرى لأنه ليس شيئا غير ممكن لدى الله.

ثالثا، والآن لنتحدث قليلا عن المُرسل إليه، وصفها لوقا بلقب العذراء (لو 1: 27)، وقال عنها الملاك أنها المنعم عليها والمباركة في النساء (لو 1: 28) ووصفتها اليصابات بالمباركة في النساء وبأم الرب (لو 1: 42–43). أما هي ففضلت أن تصف نفسها بأمة الرب (لو 1: 38، 48). عبرت هذه الألقاب عن هوية ودعوة مريم. فهي العذراء والمنعم عليها والمباركة في النساء وأم الرب وأمته في ذات الوقت. وسيكون من المناسب الآن أن نتأمل أكثر في سر قوة مريم آملين أن نتعلم من هذه المرأة القديسة أم الرب. وسنلتقي بإذن الله في مقال آخر عن قريب لنتحدث عن سر قوة مريم.

إقرأ المزيد المقالات من نفس السلسلة:
(1) مريم العذراء
(3) سر قوة مريم العذراء
(4) خدمة العذراء

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا