يرن الهاتف. صوت محدّثي في المخابرة منخفض ومكبوت، كأنه يتحدث من قاع بئر عميقة.
- كيفك؟
- ---
لم ينتظر صديقي اجابتي وبادرني بالسؤال:
- سمعت الخبر؟
- لا، اي خبر؟
- ابو سمعان الخالدي أعطاك عمره.
- مسكين، تعذب كثيراً. متى الجناز؟
- غدًا في الثالثة في كنيسة البلد.
- يخلّي عمرك.
عاش أبو سمعان 76 عامًا. انتمى للطائفة ولكنه نادرًا ما زار الكنيسة او اشترك في نشاطاتها أو صلواتها. عاش حياة عادية. في نظر الناس، لم يفعل الفحشاء وكان مقدّرًا، فيما عدا غمامتين عكرّتا صفو حياته. الاولى ولعه بالخمر وخاصة العَرَق مما أثّر على علاقته مع زوجته وعائلته، اذ سمع جيرانه في أوقات متباعده صراخه عليهم بعدما دار المسكر وترنحت مشيته. وقلّ شربه للعرق في سنيه الاخيره لمرضه في الكبد. الغمامة الثانية هي خلافه مع أخيه الأصغر على حدود وقسمة قطعة أرض ورثاها عن والدهما. يا للأسف- لم يتسنَّ لأبي سمعان أن يتصالح مع أخيه قبل وفاته. يا له من موقف محرج ومؤلم بعد الوفاة. ستبقى القطيعة الآن لنسل هذا وذاك. قرابة الدم صارت ماء لقساوة القلوب وحب المال.
يتوافد الناس من شمال البلاد وجنوبها من شرقها وغربها عملاً بالآية "فرحاً مع الفرحين وبكاء مع الباكين". كل الطرق تؤدي الى كنيسة البلد.
يُذهل الغريب كيف يفلح كل هؤلاء الرجال والنساء في ترك أشغالهم وأعمالهم ووظائفهم للامتثال في دار العزاء وسط الاسبوع وفي منتصف النهار، بعد تبليغ قصير الأمد. كثيرون يلبسون نظارات الشمس ويقفون في باحة الكنيسة. الرجال يفرحون باللقاء الاجتماعي فيتجاذبون أطراف الحديث. أحياناً تسمع صوت ضحكة خفيفة. أما النساء فيجلسن بصمت في القاعة حول الجثمان. أم سمعان وبناتها وكناتها يبكين بصمت . لقد توقعوا لأسابيع رحيل أبي سمعان، لكن لا احد يتوقع ساعة الأجل المحددة. انها ما فتئت مفاجئة، إذ يباغتهم الموت كلص في الليل. باقي النساء يجلسن بهدوء ويتحدثن بهمس، ويراقبن الداخلات والخارجات. جميعهن باللباس الاسود وجميعهن شاحبات دون مكياج ولكن هذا آخر شيء مشترك بينهن. فالازياء والتصرفات متباينة رغم الاسود الطاغي. إنه وقت لتحديث وحتلنة المعلومات الاجتماعية عن تلك وهذه.
حانت الساعة... فيقود الكاهن بعض الرجال إلى القاعة التي سجى فيها الجثمان. الباقي يستمرون في أحاديثهم . يدخل الرجال للصالة وللتو يرتفع صوت البكاء والنحيب، وصرخات الوداع من بنات الفقيد وكأنك رفعت صوت التلفاز بعد انتهاء فقرة الدعايات. يتلو الكاهن صلاة قصيرة، ويومئ معطياً الإشارة أن الوقت قد حان للحظة الوداع الأخير، فيقف المقربون في شبه طابور لالقاء النظرة الاخيرة. البعض يقبّل الميت، إنها قبلة باردة لا تعبر عن حرارة ولوعة الفراق . فالجثمان قضى حوالي يوماً كاملاً في الثلاجة. الوقت محدود، الحر شديد والقاعة مكتظة. الصبر محدود وللكاهن عرس في قرية مجاورة بعد أقل من ساعة. للضرورة احكام، فيفصلون أم سمعان برقة عن رفيق دربها. عاشا معاً 49 عاماً. فعلا فرّق بينهما الأجل. سرعان ما يُغلق التابوت ويهرع الشباب لحمله تجاه الكنيسة. قبل وضعه على الطاولة الخاصة يتناقش الرجال عن اتجاه وضع رأس التابوت ويحسم الأمر ابن أخت الميت وهو صاحب دراية بأصول الجنازات وعاداتها، فقد قبر والديه منذ وقت قصير. يتوسط الجثمان الكنيسة. لطالما تساءلت: ألا يتعب الميت من نومه مستلقياً على ظهره؟ الا يتمنى من مكان تواجده أن يهب كالملسوع ويرفع رأسه ليتفقد من يبكي بحرارة ومن يتظاهر بذلك فقط...؟
أبو سمعان شخصية عادية من عائلة متواضعة شأناً، لذا فإن القداس "سولو" يقوده كاهن الرعية. لو كان الميت ذا شأن مالي، أو سياسي أو عائلي لاشترك عدة كهنة وإن ابتسم الحظ للميت لتواجد هناك مطران أيضًا.
كاهننا يتلو الصلوات بميكانيكية. من كثرة الجنائز حفظها عن ظهر قلب. خلال 23 دقيقة وبعض الثواني "حلّه" أبونا من خطاياه ثم وضعه في مصاف القديسين. كيف فعل ذلك وبأي حق؟ لا أفهم. ألم يقل ابراهيم في مثل يسوع : بيننا وبينكم هوة عظيمة قد اثبتت حتى ان الذين يريدون العبور من ههنا اليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون الينا (متى 16: 26) . مرة أخرى يتقدم الشباب لحمل التابوت ويتوجهون به للمقبرة. التحدي الكبير هو كيف يسيرون بنفس السرعة. بعضهم يهروّل وبعضهم يرزخ تحت عبء الحزن وثقل التابوت.
يصل المجابرون من حاملي التابوت الى مدفن دار الخالدي. لم تعد الآية "من التراب الى التراب تعود" تنطبق على الفستقيات و"عمارات" الجوارير. يرفع الكاهن صلاة اضافية لزيادة التأكيد والتشديد أن أبا سمعان يجلس مرتاحًا في مصاف القديسين. أما جثمانه الذي أخذ يفقد برودته فسيقبع في مكان آخر: في الدُرج قبل الأخير. بخلاف مصاف القديسين، لكن جيرانه في الفستقية ليسوا قديسين بتاتاً وخاصة ابن العم الذي يسكن في الجارور الذي تحته، والذي مات كما يبدو من جرعة سمومٍ زائدة. موقع درج أبي سمعان في فستقية العائلة كان محط أنظار وتطلعات شيوخ العائلة وعجائزها، نظراً للرؤية الخلّابة واشجار الصنوبر المجاورة التي تلقي بظلالها على الادراج العليا. لكن أبا سمعان تغلب على المنافسين ووصل للمكان المقصود بخفة ودون مطبّات.
يقف أبناء الفقيد وإخوته وانسباؤه في الصف الطويل للأخذ بالخاطر. عبارات "الله يرحمه" تتدفق من الألسن، مع أن الإنجيل يوضح أن الرحمة تجوز فقط على الأحياء. يسرع النشيطون من بين المشيّعين ليؤدوا واجب العزاء، ويطيروا إلى سياراتهم للعودة الى الأعمال والبيوت قبل ازدياد حركة السير.
تساءلت في سري: هل قمنا بواجب أبي سمعان وباحترام أولاده؟ هل سمعت في الجنازة شيئًا عن أن الخلاص هو بالايمان؟ وهل كان حث للمشيعين للسلوك في حياة الايمان؟ هل سمعنا شيئًا عن رجاء الراقدين؟ يوك!
في خضم تساؤلاتي تذكرت أن علينا العودة مرة أخرى هذا الاسبوع للأخذ بالخاطر عند العائلة، وأنني لم انتبه حين أعلنوا إلى أي يوم يمتد وساعاته اليومية...
فكنت اريد ان اسأل الكاتب لاي مجموعه يروج هنا؟ وهل القس المسؤول عنه بحاجة للتبرعات؟ او ان بعض "الاخوة"في كنيسته انسحبوا وقل عدد المجموعه ووضع التبرعات عندهم قل؟ اعتقد انه اخلاقيا كان من واجب المسؤولين عن الموقع ان لا ينشروا مقالا هدفه الاساسي التحريض على الكهنه والمطارنه وبدلا من كتابة هذا المقال علية ان يرجع ليقرأ تاريخ الكنيسه افضل له فواضح انه انسان يعمل فقط للترويج ومصلحته واضحه، شكرا
أما في ما يتعلق باخي ايهاب من الرامه اظن ان تعليقك لم يكن حضاريا بل كان عباره عن طعن بالاخر لأنه انجيلي وفقط انجيلي. كنت اود منك ان تبرهن لي من خلال وقائع وأحداث أن ما قاله ألكاتب ليس صحيحا وليس ان اخذ الدرب القصير وأطعن بالأخر.أرجو ايضا منك أن توضح ما هو قصدك بتاريخ وما هي النقطه التي تريد ايصالها؟
فهذا النص مثلاً يبطل الأعياد غير الحقيقة التي تهدف لتمجيد غير الله، وهو يرفض عبادة الملائكة إي التشفع بهم كوسطاء لله بالسجود والطلب منهم وقس ذلك على القديسين، أيضاً يرفض هذا النص الطقوس في العبادة. فكل صلاة الكناس الطقسية مبنية على الفرائض يجب أن تقول الجملة الفلانية في لحظة معينة ويجب أن تركع أو تقف أو تسجد في لحظات معينة.
الله أب لنا كيف يتعامل الأب مع أولاده هل كتعامل رئيس الشعبة مع جنوده أم أنني أتعامل معه بحرية
إن الصلاة الطقسية تجعلني كالرجل الآلي بلا روح فصدق قول المسيح الذي اقتبسه من إشعياء "فاجاب وقال لهم حسنا تنبا اشعياء عنكم انتم المرائين كما هو مكتوب.هذا الشعب يكرمني بشفتيه واما قلبه فمبتعد عني بعيدا" مر 6: 7
ثم كيف يعتقد الكاهن ويجزم أن الميت أصبح مع القدسين وهو يعرف قول المسيح لكنيسة ساردس " واكتب الى ملاك الكنيسة التي في ساردس.هذا يقوله الذي له سبعة ارواح الله والسبعة الكواكب.انا عارف اعمالك ان لك اسما انك حي وانت ميت" رؤ 3: 1
فليس كل من قال يا رب يا رب يخلص
مكتوب :هلك شعبي لعدم المعرفة.
ثانياً الى الأخ صاحب تعليق رقم 1 اولا اذا لم يعجبك المقال فهذه مشكلتك ولكني ارى انك واحد ممن يؤيدون وينتمون (لأبو سمعان) وفي الحقيقة اخاف ان تكون كأبو سمعان. اسمع يا صديقي هذا حقيقي وواقعي فبأي حق يعطي الكاهن للمتوفي حق غفران الخطايا وليس ذلك فقط بل وبشكل خاص بعد موت الشخص؟ !!
ايضاً ليس من الأخلاقي ان تتهكم على كاتب المقال لأنه صاحب سمعة وشهادة حسنة بين الناس فيجب عليك انت اولا ان تتعلم حسن الخلق. انصحك بأن تقرأ الكتاب المقدس لكي تعلم بان الخلاص فقط بالايمان وفقط وانت حي وليس بعد الموت. فليس لك قبول المسيح الا وانت على قيد الحياة فاغتنم الفرصة لن كل الذين قبلوه(اي قبلوا المسيح) فأعطاهم سلطان ان يصيروا اولاد الله اي المؤمنون باسمه. فهل انت واحد من اولاد الله؟؟؟؟
قبل سنتين في جناز جدتي طلب منا الكاهن تناول جسد المسيح لأجل خلاص نفسها. ومنذ ذلك الحين وانا وعائلتي نتمرر حزناً لأجل الجهل المريع لحقيقة شخص المسيح، ولأخذان هذا الكاهن سلطة غير معطاة له.
فشكراً مرة أخرى اخي الحبيب لأنك نطقت بأوجاعنا، أوجاع الغيرة على الرب يسوع
الرحمه و طلبها يجوز على الأحياء و الراقدين.
و هذا هو الرجاء الذى أمنا و عشنا و سنموت به.
من أمن بى و أن مات فسيحيا.