لا تخلو جلسة لا يتباكى فيها المجتمعون على تصرفات الناس وخاصة الشباب في هذا العصر. يندبون عصر مضى واخلاق ولّت. لربما حمل ذلك الحنين للماضي تزييف للواقع ومبالغة في تصوير الامس بالمشرق والزاهي واليوم بالمظلم والداكن . ولكن التذمر في لبّه واساسه صحيح ويعترف به القاصي والداني وكل من شهد التغيير الكبير في الاخلاقيات العامة خلال السنين. الكل يتوق للناس الطيبة وتعامل الجيران مع بعض والتآخي بين ابناء الشعب من الطوائف والديانات المختلفة و"الذوق" في التوجه للأكبر سناً والامان في الشوارع وغيرها.

ويمكن الاستدلال على التغيير الجسيم الحاصل بالمعطيات الموضوعية مثل نسبة الطلاق ، نسبة الاجرام ، القضايا في المحاكم ، الخلافات بين الاشقاء والجيران وغيرها.

وتقوم البلديات والشرطة والمدارس والهيئات الشعبية في تنظيم الندوات لبحث هذه الظواهر وخاصة العنف ويقوم قادة المجتمع أو العاملين الاجتماعيين او ضباط الشرطة بالدلو بدلوهم وتقديمهم لاقتراحات مختلفة لمعالجة هذه الآفة- كما يحلو للكثيرين تسميتها.

فهذا يقترح تكثيف التربية في المدارس والآخر يشدد على تربية البيت. ثم هناك من يقترح ان تضرب الشرطة بيد من حديد مما سيزيد هيبتها وردعها وعملها الناجع. وهناك من يقترح ان تكون خطبة الجمعة وعظة الأحد منبراً لتنبيه الناس من العنف ومضاره وتناقضه مع الرسالات "السماوية" وغيرها من الاقتراحات المختلفة.

هذه الاقتراحات جيدة للغاية ويمكنها اذا تجمعت المبادرات وتضافرت القوى ان تغيّر مجتمعنا للأفضل ولكني اعتقد انه تفوت كل هؤلاء المهتمين حقيقة هامة.

واكب الحصول على الشهادات العليا بين المسيحيين في مجتمعنا تيار متزايد من الالحاد والابتعاد عن الكنيسة والكتاب المقدس. اعتقد البعض ان التنور والانفتاح يناقضان الايمان فرموا بالكتاب المقدس جانباً . أصبح الدين في أعين الكثيرين علامة تخلف (وهو خطأ فادح). لكن النتيجة الحتمية لذلك هي تكوّن آبار مشققة لا تضبط ماء. انها نظريات عزلت الرب منها واعتقدت انه بوسعها بقواها الذاتية ان ترسم مجتمعاً أفضل لكن النتيجة كانت عكسية.

كيف يمكن قطع دابر العنف دون قيم؟ كيف تطلب التعامل باللطف والأدب دون مستوى اعلى نصبو له؟ كيف تطلب الامانة في العمل وليس هناك نموذج نشتاق ان نتمثل به ؟

دون اله يضيع المعيار والنموذج والقيمة. يتعب الانسان باطلاً فيدور حول نفسه ولا يفلح بالارتقاء فوق نظرياته ومبادئه واصلاً لا يوجد اي محفز لحياة فيها اخلاق. لا اخلاق دون قيم ولا قيم دون معطي للقيم يرتقي فوقنا ويضع لنا معياراً للحياة.

فمثلاً حاولت النازية والشيوعية خلق بديل للحياة في كنف الرب وبحسب المستوى الذي وضعه لاجلنا ففشلا فشلاً ذريعاً. اعلنوا ان الله مات وبوقاحة نصبوا انفسهم خلفاء له. تميّزت الحياة الشخصية لقادة هذه الحركات بالفسق والدموية و"البلطجية" واتت نتائج عملهم ونظرياتهم بالوبال على سكان العالم فكان القرن العشرين أكثر القرون دموية منذ فجر الجنس البشري. قتل عشرات الملايين بيد ستالين ولينين وهتلر ، ولمَ لا ؟ ان كان البقاء للأفضل (كما قال النازيون) أو الغاية تبرر الوسيلة (القتل يبرر انتشار النظرية الماركسية وأصلاً الدين افيون الشعوب-كما نادى الشيوعيون) فلماذا لا يفتكون بالناس بالملايين؟

دون اله يضيع رادع. ماذا يمنع البشر من اكل لحم بعضهم (مجازياً وحتى حرفياً) أو نهب خيرات بعض اذا افتقد الخوف من حساب أو المحبة لخالق كريم ؟ لماذا اطيع نظرية بشرية (وحتى لو كانت صالحة في بعض نواحيها) وقد ضعها انسان مثلي ومثلك؟

وعلى صعيد فردي ومحلي نقولها بملء الفم: دون معيار الهي للقيم الصالحة نؤمن به ونسعى لأن نعمل بحسبه- لن يخف العنف. دون نموذج طاهر ينادى بالمحبة ويعمل بها مثل الرب يسوع لن يتصالح الناس مع بعضهم البعض. دون كتاب الهي يتضمن مبادئ سامية - لن تكون حياتنا سامية بنفسها.

الحنين لماض آمن يتميّز باللطف والمحبة والتعايش والسلم لا يتم بالتمني بل بالعودة للقيم الالهية وليس لنظريات انسلخت عن الاله ففقدت جوهرها.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا