رأيتُهُ في قبرص وعُمْرُهُ لم يتجاوز العشرين حينذاك، مُوظَّفًا في أحد أقسام شركة كبيرة نسبيًّا، حَظِيَتْ بزبائن عُـدُّوا بالآلاف؛ رأيتُهُ وهو يَرفُسُ باب دخول القسم الذي “يعمل” فيه إذ نسِيَ جَلْبَ بطاقته التي تفتح له الباب فلم تُطِق أعصابُهُ الإنتظار أزْيَدَ مِن بضع ثوانٍ قرع خلالها الجرس مرّات متتالية. ورأيته ذاهبًا إلى حمّام القسم وفي يده حسّابة الكترونية فلمّا خرج منه تركه بأقذر صورة. ورأيته جالسًا أمام الكومبيوتر على كُرسيِّ مدير القسم إذ غاب عن مكتبه بضع دقائق فلمّا انتهى من قراءة رسائله أطفأ الجهاز بضغطة زرّ. ورأيته وهو مشغول بسَحْب أوراق من ملفّ أحد الزبائن فأودَعَها في ملفّ زبون آخر. ورأيتُهُ وهو يصول ويجول في أقسام الشركة طوال فترة العمل، تارة يتمازح مع هذي وتارة يتشاجر مع تلك. ورأيته في خارج الشركة أزيد من مرّة بتسريحة شَعَر مختلفة عن سابقتها؛ رأيته في أحد مَحالّ بيع الثياب وهو ينتقي قميصًا وغالبيّة القمصان المعروضة أمامه مُلقاة على الأرض. ورأيتُهُ مُمسِكًا بسمّاعة تلفون عموميّ وهو يتحدّث بصوت أجَشّ بلا انقطاع وإحدى السّيّدات واقفة عن كثب تنظر إليه بدهشة وتنتظر إخلاءه المكان، كنت واقفًا أمامه أنتظر الباص وقد أوقف سيّارته في موقف الباص. ورأيته مرّات عدّة جالسًا في مطعم فاخر لتناول العشاء، قبل توجّهِهِ إلى إحدى صالات الديسكو برفقة آية من الجَمال الظاهري أو آيتين. ورأيته مرّة وهو يتودّد إلى سَيّدة في عُمْر جَدَّته قُبالة رفيقاتها. وقد تراكم في ذهني ما لاحظت خلال سنتين، ما أسعفتني به الذاكرة اليوم، لم ألاحظه بين عَشِيّة وأخرى. فلمّا غابت عنّي رؤيته يومًا سمِعْتُ أنه يقضي إجازة مَرَضيَّة في البيت مُعانيًا من مرض مُعْدٍ وخطير

 فسألتُ زميلة عربيّة محترمة من بلده تعرفه شخصيًّا: ما رأيُكِ؟ قالت: (أنت تسألني عن كارثة! لكنّ الثمرة الوحيدة الجيّدة في شجرة عائلته هي والدته التي لا تزال تعاني مرارة تلو أخرى من سلوك أبيه وسائر إخوته، لو كنت في مكانها لما رأيتني الآن أمامك ولا عشت إلى هذا اليوم ولمُتّ قبل أوّل إنجاب) وسألتها: ما موقف الإدارة؟ قالت: (تدري أن أهمّ مُدِيري الشركة فلانة وفلان- من بريطانيا- وهما يعْلمان جيِّدًا بسلوك هذا المعتوه وآخرين من صنفه، لكنهما طارا فرَحًا به وبأمثاله! لأنّ الموظفين لو أدّوا واجباتهم مثلك ومثلي لما احتاجت الشركة إلى هذين المُديرَين) ثمّ سألت زميلًـا مُحترَمًا من بلده أيضًا فأجاب: (أشعر في وجود هذا الصّنف، المنحَطّ جملة وتفصيلًـا، أنّ الأجر الذي تقاضيت لقاء عملي في هذه الشركة غير مُبارَك، بل ذهب سُدىً بأكمله. ألمْ تلاحِظ تغـيّبي المستمر عن العمل وسفري إلى خارج قبرص كُلّما سنحت لي فرصة؟ ذلك لتغيير هذا الجوّ الملوّث بمثل هذا الصنف من البشر) فاكتفيت بهاتين الشهادتين دليلًـا على سلامة موقفي تجاه ذلك الموظف. وقد كان موقفي الدائم منه: الإهمال، حتى عَلِمت من تحليل سلوكه أنّ إهمالِـيْهِ قد آذاه أكثر من أي ردّ فعْـل آخر

أخيرًا؛ طالما ذُهِلت أمام تاريخ سير عمل تلك الشركة الذائعة الصِّيت في قبرص وفي خارجها حتى نهاية تسعينيّات القرن الماضي وطالما فكّرت بتركها بدون رؤية سبيل أو إيجاد بديل. إلى أن أسعفني حظّي (بل العناية الإلهيّة) بعد قيام إدارة الشركة بعمل قرعة بين الموظّفين والموظّفات لتزكية ثلاثة أشخاص فقط كي يقضوا إجازاتهم السنويّة في اليونان. فكنت أحد الثلاثة الفائزين، ما سَهَّـل عليّ الحصول على تأشيرة دخول اليونان من سفارتها التي في نيقوسيا، بل دخول أربعة عشر دولة حتى ذلك التاريخ أي قبل اتّساع منطقة اليورو. وكانت مدة الإجازة أسبوعين والتأشيرة من النوع السياحي الذي مدته ثلاثون يومًا. هي الإجازة الثانيّة التي تمتّعتُ بها بعد الأولى التي قضيت في لبنان. فبقيت يومين أو ثلاثة في اليونان ثمّ طرت إلى بروكسل (من أجمل عواصم أوروبا) التي بقيت فيها ثلاثة أيّام ثمّ أمستردام (عاصمة هولندة الرسميّة أمّا العاصمة الإدارية دَنهاخ المُسَمّاة لاهاي) فمن هولندة أرسلت ورقة استقالتي بالبريد إلى أحد مديري الشركة فقبِلَها بسرعة قياسيّة. ذلك لأنّ (الحياة التي بلا فائدة موتٌ مُبكّر) في نظر الأديب الألماني غوته والذي قال أيضًا: (لا شيء أفظع من الإهمال في العمل) أمّا دائرة الهجرة الهولندية، إذ استقبلتني فترة مؤقتة، رفضت طلبي الإقامة الدائمة، ما اقتضى مني تجديده فالإنتظار، لكني غادرت البلاد فورًا عائدًا إلى اليونان بخُفَّي حُنَيْن. فتذكرت حينئذٍ حديث زميلي عن المال غير المُبارَك
* * *

بَحْرُ المُضارِع

إذا كانت (لكُلِّ عالِمٍ هفوة ولكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة) فإنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي (718 – 791 م) واضع عِلم العروض قد هفا هفوتين؛ الأولى: تأليفُهُ إيقاعات غير معتمَدة إطلاقًا في قصائد شعراء العرب الذين سبقوه. والثانية: تصنيفُهُ بَحْرَ المُضارِع الذي لا يَستحقّ أن يُوضَعَ بَحرًا ولا ساقية، في نظري وفي نظر الأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة- ت 835 م) أحد أئمّة النحو الذي أجمع أكثر العروضيّين على أنه تدارك بحر الخَبَب على الخليل، لأنّ قصائد أولئك الشعراء قد خلتْ من المُضارِع إلّـا واحدة هنا أو قطعة هناك. ولتوضيح معنى الهفوة الأولى؛ قال الخليل- مثالًـا- أنّ وزن المُضارِع هو (مَفاعِيلُنْ فاعِ لَـا تُنْ مَفاعِيلُنْ) وهذا لا إيقاع له في دواوين العرب، ثمّ أردف بالعِبارة (لا يُستَعمَل إلّـا مجزوءًا: مَفاعِيْلُ فاعِ لـا تُنْ) وقوله (لا يُستَعمَل إلّـا مجزوءًا) قد قرأناه في بحور المديد والوافر والهزج، لذا سأصرف نظري عن إيقاعات الخليل في معرض كلّ من المُقتضِب والمُجْتَثّ

فإن سُئِلْت: كمْ بَحْرًا مَيتًا تعرف-ين؟ اثنين؛ البحر الميت وبحر المُضَارِع الذي وزنه (مَفاعِـيْلُ فاعِـلاتُنْ) وعَـروضُهُ واحدة فاعِـلاتُنْ جاز فيها الكفّ (أي حذف نونها) لتصير فاعِـلاتُ وضَرْبُها مِثلها. كما جاز كفّ مَفاعِـيلُنْ (أي حذف نونها) لتصير مَفاعِـيلُ بل كفّها شَرْطٌ لاٌستعمال المضارع وليس جوازًا فحَسْبُ

تنبيه
ورد في كتب العروض أنّ من جوازات بحر المضارع قَـبْض مَفاعِـيلُنْ، أي حذف يائها لتصير مَفاعِـلُنْ، كما في الطويل، لكنّ هذا القبض إذا جاز دخوله نظريًّا فلا يجوز عَمَلِيًّا لأنّه يُحوِّل المُضارع إلى صورة من صُوَر المُجتثّ، ما دلّ على أنّ بعض العروضيّين لم يكونوا من الشُعَراء لأنّهم أجمَعوا على دخوله
* * *

أمثلة على بحر المُضارع

أبو نؤاس؛ 762 – 813 م

أيا ليْلُ لا اٌنقضَيْتَ * ويـا صُبْحُ لا أَتَـيْتَ

ويا ليْلُ إنْ أرَدْتَ * طريقًا فلا اٌهتَدَيْتَ

ويالَيْلُ- إنْأرَدْتَ * طَرِيْقنْفَ- لَهْـتَـدَيْـتَا
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

حبيبي بأيِّ ذَنْبٍ * بهِجْـرانكَ اٌبـتـلَيتَ

حَبيْـبيْـبِ- أيْـيِذَنْبِنْ * بهِجْـرانِ- كَبْـتـلَيْتَا
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

فواللهِ لا صَرَمْـتُـــكَ فاٌحتَلْ بما اٌشتَهَيْتَ

فَوَلْـلـاهِ- لاصَرَمْـتُ *  كَفَحْـتَـلْبِ- مَشْتَـهَـيْتا
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

وواللهِ لا قطَعْـتُـــكَ إنْ زُرْتَ أو نَـــأَيْـتَ

ولا زلتُ عاشِقًـا لَـكَ إن شئْتَ أمْ أَبَيْتَ

رجَوْتُ السُّلُوَّ عَنْكَ * فهَـيهاتَ ما رأيْتَ

وهيهاتَ ما طَلَبْـتُ * وهيهاتَ ما اٌبتَغَـيْـتَ

من ديوان أبي نؤاس على الإنترنت ص 129 وفيه جميع تاءات الرَّويِّ مُسَكَّنة بلا داع

* * *

ابن عبد ربِّه الأندلسي 860 ـ 939 م

ورد في كتابه “العقد الفريد” مثال لبحر المُضارع (وسائر البحور) عِلمًا أنّ [صفة “الفريد” لحقت الكتاب في وقت متأخر، لعلّ الأبشيهي (1388-1446 م) صاحب كتاب (المستطرف من كل فنّ مستظرف) أوّل من نعته بالفريد]- ويكيبيديا: العقد الفريد

أرى للصّبا وَدَاعا * وما يُذكَرُ اٌجْتماعا

أرالِصْصِ- باوَداعا * ومايُذْكَ- رُجْتِماعا
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

كأنْ لمْ يكنْ جديرًا * بحِفْظِ الّذي أَضاعا

كأنْلمْيَ- كُنْجَدِيرَنْ * بحِفْظِلْلَ- ذِيْئَضاعا
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

ولم يُصْبِنا سُرورًا * ولم يُلْهِنا سَماعا

فجَدِّدْ وِصالَ صَبٍّ * متى تَعْصِهِ أطاعا

وإنْ تَدْنُ مِنهُ شِبْرًا * يُقرِّبْكَ مِنهُ باعا
* * *

رياض الحبيّب

إلى سارتي الحبيبهْ * وشَـرقـيَّتي الأريبَهْ
- - -
دُجى مقلتيكِ أضفى * على شِعْريَ العُـذوبهْ

دُجامُـقْـلَ- تَـيْـكِـئَـضْفا * علاشِعْـرِ- يَلْـعُـذُوبَهْ
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ
- - -
كأنِّي اٌخْترعْـتُ بَحْرًا * وتفعيلةً عَجيبهْ

كأنْنِخْتَ- رَعْـتُـبَحْرَنْ * وَتَفعِـيْلَ- تَنْعَجيْبَهْ
مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ * مَفاعِـيْلُ- فاعِـلاتُنْ

وغـنّيتُ ضَرْبَ لحْنٍ * فأخْجَلْتُ عَـندليبَهْ
- - -
فأنّى رَحَلتُ أضْحَتْ * بلاديْ هِيَ الغريبَهْ 

وأنّى بُلِـيْتُ هانتْ * على ذِكْرِها المُصِيبهْ

فإنْ عادَني طبيبٌ * وإنْ هوَّنَتْ طبيبهْ

فمَعْـنى الحياةِ إنسٌ * سَعى حامِلًـا صَليبَهْ

* * *

الأريب: العاقل، ذُو دَهْيٍ وبَصَر. عادَ العَلِيلَ يَعُودُهُ عَوْدًا وعِيادة وعِيادًا: زارَهُ- لسان العرب. طبيبة: مؤنث طبيب. والأبيات مقتطفة من إحدى قصائدي المنشورة الكترونيًّا

¤ ¤ ¤ ¤ ¤

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا