نحن نعيش في عالم مليء بالخطية والشر، حيث رئيس سلطان الهواء يعمل في أبناء المعصية (أف 2 : 2)، ونعاصر زمانا فيه لا يحتملون التعليم الصحيح بل يجمعون معلمين ليستحكّوا مسامعهم (2 تي 4 : 3)، كما ونشهد أياما حيث الخطية محيطة بنا بسهولة كما صرخ آنذاك كاتب الرسالة الى العبرانيين (عب 12 : 1)، فاذا كان الأمر كذلك قبل ألفي عام، كم وكم نشهد خطايا تتسارع من شر الى شر في أيامنا.

ان الكتاب المقدس يعرّف هذا الوضع ب"الظلمة"، وبما أننا "أبناء نور" ولسنا من ظلمة فسنجد تصادما ورفضا من "أبناء الظلمة"، ولا نقول هذا للتعالي، لا سمح الرب، بل لتشخيص الأيام التي نعيشها لهدف مجيد نصبو اليه لاستنارة أبناء الظلمة بنور المسيح العجيب (أي 29 : 3، رؤ 21 : 24) ...

ان التحدي الذي يواجهنا ليس بسهل، فان نحيا بالنور وسط عالم مظلم يعني أن نقف ضد تيارات الشر والخطية على أشكالها وتطوراتها، لا وبل وأصعب من ذلك أن نسير بالاتجاه العكسي لتلك التيارات القوية في طريق الحق من باب ضيّق وطريق كرب ولكنه يؤدي الى الحياة، وللأسف، قليلون هم الذين يجدونه (مت 7 : 14)، ولا عجب، فقد سبق الرب وحذّرنا أن "في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16 : 33).

من المهم أن ندرك الفرق ما بين السير ضد تيار الخطية وما بين العيش مع أخينا الانسان جنبا الى جنب. بكلمات أخرى: رسالتنا في غربة هذي الحياة أن نعيش ضد الخطية بقوة الروح القدس الساكن فينا وليس ضد البشر، "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع ... أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف 6 : 12)، والله أحب العالم أي البشر حتى بذل إبنه الوحيد كي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية (يو 3 : 16)، كيف لا ونحن البشر خليقة الله وصنع يديه، لا بل على صورته ومثاله (تك 1 : 27). ان السير ضد البشر، مهما كانوا أشرارا، سيُفقد من رسالتنا ودعوتنا، وهذا بالطبع لا يعني أن نشترك في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري نوبخها (أف 5 : 11).

ان ثاني أعظم وصية للرب يسوع له المجد هي "تحب قريبك كنفسك" (مت 22 : 39، مر 12 : 31)، وقد عرّف الرب "القريب" بذاك الإنسان الذي أصنع أنا معه الرحمة (لو 10 : 37)، ف"القريب" غير منوط ولا يتعلق بتصرف أو علاقة هذا الانسان معي بل بصنعي معه الرحمة حتى لو كان عدوّي كما فعل السامري بعدوّه اليهودي (قصة السامري الصالح وردت في أنجيل لوقا 10 : 25 – 37). من المحتّم اذا أن أعيش مع "قريبي" بسلام، كما أكّد على ذلك بولس الرسول بقوله بوحي الروح القدس: "ان كان ممكنا فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس" (رو 12 : 18). الجدير بالتنويه ان ليس المقصود مجاملة الناس على حساب المساومة على كلمة الله وتعدّي وصاياه، حاشا، بل السعي لجذب "قريبي" لحظيرة الخلاص للنجاة من الهلاك وانتشاله من فخ ابليس، "اذ قد اقتنصهم لارادته" (2 تي 2 : 26).

أن هذا الكلام يزيد صعوبة وتأزما عندما يبغضني ذاك "القريب"، والذي قد يكون جاري أو زميلي في العمل أو حتّى من أهل بيتي، ولكن لا عجب، فإن كان العالم قد أبغض الرب فسوف يبغضنا أيضا (يو 15 : 18، 1 يو 3 : 13) وأعداء الإنسان أهل بيته (ميخا 7 : 6، مت 10 : 36)، نعم، لا عجب، فإن من يسير في الظلام لا يريد النور بل يرفضه لأنه يبدد الظلام ويكشف العيوب، كما تدين حياتنا المستقيمة أعوجاج الخطاة ومحبتنا بغضهم وسلامنا اضطرابهم وشجاعتنا خوفهم وسيرتنا الحسنة شرهم وقداستنا نجاستهم ... وكما عرّف رب المجد يسوع هذه الوضعية بقوله: "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة" (يو 3 : 19). اذا فرسالتنا في مجال العلاقة مع "القريب" هي ذات بعدين: البعد الأول ان أحب قريبي والبعد الثاني أن أصنع معه الخير، أي المحبة العاملة. بفعلنا هذا سوف نحيا بحسب قول الرب "أفعل هذا فتحيا" (لو 10 : 28).

أخي وأختي العزيزين، ان هذا الانسان الذي أساء إلينا أو غدرنا أو شتمنا أو تكلم علينا شرا أو لطمنا أو بصق بوجهنا أو ابتزّنا أو استغلنا هو هو ذاك "القريب" الذي خلقه الله على صورته ومثاله وأوصانا أن نعمل معه الرحمة بالضبط كما فعل السامري الصالح بعدوه اليهودي، وبالتالي سوف نستطيع بنعمة المسيح أن نحب أعداءنا، نبارك لاعنينا وشاتمينا، نصلي للمسيئين الينا، نحتمل مضطهدينا ونعظ لمن افترى علينا (مت 5 : 44، لو 6 : 28، 1 كو 4 : 12 – 13).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا