الروح يرف ويُحيي: من المكتوب نحن نعلم أن الله لا بدّ أن يتدخّل بشكل حاسم ليضع حدًّا للشّر المستشري كالعضال في كل أجزاء الكرة الأرضيّة الغارقة في ظلمات دامسة وألامات جسام، كما سبق له أيضاً أن فعل في مطلع التّكوين لمّا كانت الأرض خربة خاوية، يعمها تشويشٌ مُقفرٌ وتسودها الفوضى العارمة. ففي المشهد القاتم حيث الظلمة على وجه الغمر، كان هناك أيضاً روح الله يرفّ على وجه المياه. فهو أشبه بطائر يُحامي عن فراخ خليقته ويعتني بها؛ إنّه روح الخلق والحياة، التّرتيب والإبداع. لقد كان على أُهبة الإستعداد لبعث النور من الظلمات، ولجلب النظام من الهيوليّة، ولِمَلء الأرض بالجمال وبالكائنات الحيّة من العدم المُقفر. وذلك امتثالاً لأمر الله بكلمته الأزلي.
فها هي الكوارث الطبيعيّة مدمِّرة للغاية ومهولة جداًّ؛ وكذلك كثرة المظالم تملأ الأرض هنا وهناك، حتى أنها لم تعد تطاق إذ هي سافرة وعلى كل صعيد؛ وإرهاب الشر "القاييني" يتصاعد بلا هوادة. إلاّ أن المشهد المأساوي البائس هذا سيتحوّل برجوع ملك المجد مع مفدييه إلى مشهد بديع لعصر ذهبي مُتألِّق بالمجد والإنعتاق في روعة استعلان أبناء الله، وفي رونق ظهورنا في سناء المجد كأولاد لله، لعالَم فاغر الفم كرجل مشدوه تسمّر في مكانه غير مصدِّق لِمَا يراه!

والآن، ذات الروح المبدع في الخليقة المرئية هو هو الساكن فينا، يشهد لأرواحنا أننا نحن أولاد الله وقد صرنا خليقته الجديدة التي اقتناها بدم وموت ابنه الوحيد، وهو بذاته "الروح الذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادنا المائتة أيضاً."(رومية8:11). كما أنه أعلن لنا أن "ما لم ترَ عينٌ، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان : ما أعدّه الله للذين يحبونه"(1كور2:9). فمسار قطار الخلاص سيحملنا لحظةَ الإختطاف من ههنا- أو من فردوس الرّاحة- إلى مباهج بيت الآب، ومن ثم إلى بركات الملك السّعيد، فإلى روائع الحالة الأبديّة وسعادتها في سماء جديدة وأرض جديدة!

انتظار الوقت المناسب: إن الرّب يصنع عجباً على الدّوام، وما دام قد سُمح للشّر بأن يدلف إلى عالمنا، فلن يدعه ذاك المُخرِجُ من الجافي حلاوة أن يمضي إلاّ وقد استخرج منه أعظم وأروع وأثمن ألماس خيرٍ يُمكن استخراجه من فحم الخطيئة الأسود ومن كل أهوال الشرور وألوانها. إنه فقط ينتظر الوقت المناسب ليُميِّز مراحمه معنا ويظهر عظمة طرقه الفائقة. فكلّما كان يتقسّى قلب فرعون ويأبى أن يُطلق الشعب في أيام موسى، كان الّرب يتعظّم أكثر فأكثر ليبرع في إظهار آيات قدرة جبروته، عوناً لشعبه ودماراً لأعدائه. إلى أن بلغت ساعة الصِّفر والحسم عند البحر الأحمر، فكان ما كان! حينئذٍ علا صياح نصرة المفديين ورنّم موسى وجميع مَن معه: " أرنّم للرب فإنه قد تعظّم..الرب قوّتي ونشيدي. وقد صار خلاصي..الرب رجل الحرب...يمينك يا رب معتزّة بالقدرة. يمينك يا رب تحطم العدو. وبكثرة عظمتك تهدم مقاوميك..مًن مثلك بين الآلهة يا رب. مَنْ مثلك معتزاٍّ بالقداسة. مخوفاً بالتّسابيح، صانعاً عجائب.. ترشد برأفتك الشعب الذي فديته، تهديه بقوّتك إلى مسكن قدسك". خروج15.

قد يكون لسان حال الكثيرين منّا: " موثقين بالذل والحديد...كرهت أنفسنا كلّ طعام، واقتربنا من أبواب الموت...ذابت أنفسنا بالشقاء... فلنصرخ إلى الرّب في ضيقنا، ومن شدائدنا يخلصنا.". لقد أرسل كلمته المتجسد فشفانا بحبر ألمه الكفّاري ونجّانا من تهلكاتنا. "فالذي بذل ابنه الوحيد لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شيء؟" رومية8:32. حتماً في وقته يسرع به. وإلى أن يحين ذلك الوقت، علينا أن نواجه هنا المتاعب والمشقّات على أنها من يد الإله المحب والحكيم! فعلى قدر ما يكون الضيق شديداً والحزن محرقاً، تكون سعادتنا ويزداد استمتاعنا بالحياة للملء. " لأن خفّة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبديًّا..."( 2كور4:17).

وما أحرى بكلِّ مؤمن مُبتلٍ ينتظر تداخل الله وإنصافه، أن يُمسك بكلمة الرّب بما قاله أليهو لأيّوب: "وَأَيْضًا يَقُودُكَ مِنْ وَجْهِ الضِّيقِ إِلَى رُحْبٍ لاَ حَصْرَ فِيهِ، وَيَمْلأُ مَؤُونَةَ مَائِدَتِكَ دُهْنًا"(أيّوب 36:16). أجل إنّه يفعل، بل بالحري قد فعل! فمَن يجعل دموعنا في زقٍّ عنده، وهي أثمن من لآلئ البحر في عينيه، أيعقل أن يهملنا ولا يستجيب تضرّعات أحبّائه؟! حاشا له! فهو يحس بكل صراعاتنا ويعلم أوجاعنا، لأنه رجل الأوجاع العطوف والمجرَّب مثلنا في كل حزن وعناء. لذا فلا بد يعيننا ويسرع إلى نجاتنا. " الرّب يهتمّ بي. عوني ومنقذي أنتَ. يا إلهي لا تُبطِئ" (مز40:17).
(يتبع)

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا