قال احدهم أن المسيحية ابتدأت قبل ألفي عام في فلسطين بواسطة شخص، فانتقلت لأثينا فأصبحت فلسفة ، ومن ثم لروما فأمست مؤسسة، وبعدها لانجلترا فأصبحت حضارة . من ثم عبرت المحيط الاطلسي الى أمريكا فأضحت بيزنس هناك.

تحوي المقولة طبعاً قسط من المبالغة والمزاح ولكن فيها أيضا ذرة من الصدق.

لبلاد العم سام تأثير كبير على باقي دول العالم من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لأنها الدولة العظمى الأولى والوحيدة في العالم اليوم. انها صاحبة الجيش الأقوى والأكثر تطوراً وهي صاحبة الاقتصاد المتين (وحتى الضربة الاقتصادية الاليمة الأخيرة العام الماضي لم تفقدها صدارتها). يتبع ذلك تأثير حضاري عن طريق هوليود والمجمّعات التجارية وحتى الطعام السريع من ماكدونالدز وبورغر كينغ وونديز. يجد هذا التأثير الحضاري له أصداء سلبية طوراً وايجابية طوراً آخر في كل بلدان العالم. غنى عن البيان انه تسود كراهية شديدة (مصحوبة بإعجاب) لأمريكا وما تمثله من سياسات وتحالفات في أنحاء عديدة من العالم وخاصة في الشرق الأوسط .

كما أن لأمريكا تأثير روحي كبير على العالم إذ هي معقل البروتستانتية والانجيلية بشيّعها المختلفة على الرغم من أن منبع بعض هذه الكنائس هو في أوروبا ( مثلاً اللوثرية انطلقت من ألمانيا والكالفنية- المشيخية انطلقت من سويسرا وحتى المعمدانية ابتدأت أولا في هولندا ) ولكن جميعها ازدهرت في أمريكا. لا يقتصر النشاط الديني الرائد عالمياً في امريكا على الكنائس المصلحة والانجيلية على انواعها ولكنه يمتد لديانات وطوائف اخرى كالكاثوليك (وعددهم يربو على 50 مليون في امريكا) واليهود المصلحين واليهود المحافظين والمورمون وشهود يهوه وغيرهم.

المراقب للحياة في امريكا يلاحظ ازدواجية مميّزة ما بين علمانية ومادية متطرفة ومن الجهة الثانية هي أكثر بلاد الغرب تديّناً وعطاء مادياً لمساعدة الفقراء والخدمة التبشيرية في أنحاء العالم. أمريكا هي مصدر الفسق وسبّاقة في زواج المثليين والاجهاض والإجرام والمخدرات ولكنها في ذات الوقت بلاد تنتشر فيها مئات الآف الكنائس المعافاة التي يؤمها عشرات ملايين المصلين كل صباح احد.

طبعاً لا يعني هذا أن الاستقطاب بين طبيعتي البلاد واضحة. فالعالم يسكن احياناً في الكنيسة والكنيسة تستوطن احياناً اخرى في روح العالم . روح العالم المادي ونهجه تسلل لكنائس عديدة وأتلفها مع ان النقاوة سادت في غيرها. ومن الجهة الأخرى يسود الإرث الروحي المسيحي الانجيلي في الأروقة العامة فمثلاً يستخدم رئيس الجمهورية عبارات من الكتاب المقدس في خطاباته، حتى لو لم يكن مسيحياً مؤمناً.

الغنى والوفرة المادية في الكنائس الأمريكية يقودها لعرض خدماتها في أنحاء العالم. الأراضي المقدسة (إسرائيل/فلسطين) ليست استثناء، بل على العكس. فكثير من الخدمات او الكنائس المسيحية في العالم وفي أمريكا خاصة ترغب بتوسيع نشاطاتها وترك اثر ومداس قدم في بلاد السيد الرب.

كثرة الكنائس والمجموعات والجمعيات الأمريكية ذات الميزانيات الضخمة المرصودة لمشاريع والمهتمة بشراكات مع خدمات محلية يتطلب ناقوس خطر ثابت في أرجاءنا. الدعم المادي لتفعيل الخدمة ضروري، ولكن الصرف غير المراقب وانعدام الشفافية قد يفسد النفوس.

وقد يشترط المتبرع الغربي عامة او الأمريكي خاصة على الجمعية او الكنيسة المحلية اتخاذ مواقف معينة او القيام بخدمات تؤدي لنتائج غير واقعية فتضطر الأخيرة قبول الشروط لا لشئ إلا لاستلام الأموال. سرعان ما يذوب الثلج وتنكشف الحقيقة ويتكون شرخ في العلاقات ومس في المرجعية. ما فتأ الصدق أسلم وأصح ويتماشى مع رسالة الإنجيل.

يذكر انه تنشط في الولايات المتحدة هيئة انجيلية للمرجعية المالية تقوم بفحص الصرف المالي للكنائس والجمعيات المختلفة وتصدر التقارير. كثير من المتبرعين يطالبون بتقرير نزيه من هذه الهيئة يؤكد صحة ومنهجية وشفافية عمل الجمعية او الكنيسة التي يرغبون بالتبرع لها . بعد فحص النواحي المالية والقانونية تقوم الهيئة بإصدار تقريرها الايجابي أو السلبي. يعزف المتبرع في مثل هذه الاحوال عن دعم الجمعية في حال صدور تقرير يؤكد خلل في نهج العمل.

قد يكون في إقامة هيئة محلية مماثلة دور في منع ان تفسد كنائسنا نتيجة الأموال المقدمة من أفراد او جمعيات مختلفة في الخارج.

هل من يقبل التحدي ويبادر لذلك؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا