من منكم بلا خطية؟

أمام قسوة الدينونة يقف صوت المسيح معلنًا الرحمة والغفران: "من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر". دعوة لفحص القلب، وترك التشهير، والرجوع إلى محبة المسيح التي تغفر وتغيّر.
قبل 4 ساعات
من منكم بلا خطية؟

ترك مجد السماء وأجواء التسبيح والعبادة لشخصه المبارك، لكي يأتي إلى أرضنا ويتألم من أجلنا، ويعيش كعبد متألم من شعبه، بل ومن أقربائه وأهله، ولكي يبارك الشعب ويخلص الخطاة...

جاء يسوع إلى أرضنا، لا في مظهر المجد الإلهي، بل في صورة إنسان متواضع. اختبر الحزن والجوع والعطش، لكي يروي القلوب المنكسرة والحزينة.

نقرأ في إنجيل يوحنا الأصحاح الثامن عن حادثة صعبة جدًا، حدثت في الهيكل عندما كان يسوع يعلم الشعب. هذه الحادثة من الممكن أن تكون من أكثر الأمثلة تأكيدًا على قلب يسوع الكبير المحب، الذي لم يتهاون مع الخطية في حياة الشعب، بل وبخ بشدة وأعلن الحق الإلهي، لكنه أعلن أنه لم يأتِ ليدين، بل ليخلص ما قد هلك من الشعب.

في هذا المشهد الصعب والمخزي لهذه المرأة المسكينة، التي أمسكت وهي تزني في ذات الفعل، أحضرها الفريسيون والكتبة إلى يسوع لكي يجربوه ويشتكوا عليه.

كانت المرأة التي زنت في مركز المشهد بالنسبة إلى الفريسيين والكتبة. لم يكن يسوع مركز حياتهم وخدمتهم واجتماعاتهم، بل المرأة التي وضعوها في الوسط ودانوها في قلوبهم، وانتظروا رد يسوع على سؤالهم، إذ قالوا إن هذه المرأة مستحقة الرجم حسب ناموس موسى. وهذا ما نقرأه في كتاب اللاويين أصحاح 20، وتثنية أصحاح 22، بأنه يجب رجم ليس فقط المرأة، ولكن أيضًا الرجل الذي سقط هو أيضًا في خطية الزنى، وكان مستحق الرجم!

لكن عدم نزاهة رجال الدين والازدواجية في المواقف دفعاهم إلى دينونة المرأة، وإطلاق الرجل بلا دينونة!

وهذا أمر مرفوض بتاتًا، لأن الخاطئ، إن كان رجلًا أو امرأة، مستحق ليس فقط الدينونة والرجم، بل الهلاك الأبدي في بحيرة النار والكبريت. وهذا ما لم يرغب به يسوع، لا للمرأة ولا للرجل، ولا حتى لرجال الدين آنذاك!

بعد أن وجه رجال الدين سؤالهم إلى يسوع، انحنى يسوع إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وبعد استمرارهم في سؤاله، انتصب وقال لهم:

"من كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر؟"

هذا التصريح القوي والعميق جدًا من قلب يسوع فضح قلوب رجال الدين المتحجرة وعديمة الرحمة، لأن يسوع علمنا أنه قبل التدين والصوم والصلوات، هناك أمور أكثر أهمية وعمقًا روحيًا، وهي الرحمة والحق والإيمان. وكما علم بولس الرسول، فإن التعليم الصحيح، الذي هو حسب قلب الله ونبض الإنجيل، هو التعليم حسب التقوى، التعليم الذي أساسه الرحمة ومحبة الآخر، حتى لو كان عدوي!

بعد هذا الإعلان المبارك خرج رجال الدين والشيوخ أولًا من حضرة يسوع المسيح، لأن قلوبهم وضمائرهم كانت تبكتهم، وهكذا بقيت المرأة وحدها مع يسوع.

هكذا نحن أيضًا، يجب علينا أن نكون وحدنا مع يسوع، معترفين بخطايانا وزلاتنا عندما نقرأ الإنجيل أو نصلي، أو ربما عندما نسمع الوعظ، لأن الروح القدس هو الذي يبكت القلوب على خطية وبر ودينونة، ولأن الرب يسوع يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون.

سأل يسوع المرأة: أما دانك أحد؟ قالت: لا يا سيد. فقال يسوع: ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضًا.

لا بد أن محبة وغفران يسوع أسرا قلب المرأة، لكي تحب يسوع من كل قلبها وكيانها، وتكرس حياتها بالكامل لشخصه المبارك. لأن الوحيد الذي كان بلا خطية في هذا الموقف الصعب هو يسوع، وكان يحق له أن يرجم المرأة، لكنه انحنى إلى الأرض ولم يأخذ في يده الحجر للرجم، بل انحنى وكان يكتب على الأرض. وهذا الحدث يذكرنا بما كتبه إرميا النبي في الأصحاح 17، أن المبتعدين عن الرب في التراب يكتبون!

لكن يسوع انحنى وتواضع، كأنه يقول للمرأة إنه ينحني معها ويفهم ألمها وخزيها. إنه يدين الخطية ولا يدين الخاطئ، لأن يسوع أخذ خطايا المرأة، بل خطايانا جميعًا، وغفر لنا خطايانا، ووهبنا الخلاص والحياة الأبدية...

فيا له من حب عجيب وغفران لا يفهمه العقل البشري. وإذا كان الرب يسوع قد تعامل معنا بهذه المحبة والرحمة والحنان، ألا يجب علينا أن نعامل بعضنا بعضًا بنفس المحبة والرحمة؟ أم ما زلنا نشتم وندين بعضنا بعضًا بكلام صعب وكلام دينونة، من دون أي رحمة، كما رحمنا المسيح؟

وهل الخطايا التي تؤدي إلى الدينونة والهلاك الأبدي هي فقط خطايا الزنى؟

بل أيضًا كل طمع وغش وخداع وكذب وكبرياء وعدم غفران للآخرين يجلب الدينونة الرهيبة والهلاك الأبدي!

كذلك كلام التشهير والشكاية والنميمة يعتبر من أكثر الخطايا انتشارًا في مجتمعاتنا. وكما نقرأ في رؤيا يوحنا أن المشتكي على الإخوة قد طرح إلى الأرض، فهل نجلس مع المشتكي، الذي هو الشيطان، الذي يشتكي على الإخوة نهارًا وليلًا؟ أم نجلس في حضرة القدوس البار يسوع المسيح، نطلب الغفران والرحمة لنا ولمن أساء إلينا؟

إخوتي، إنه وقت يجب علينا أن نعيش قلب الإنجيل وقلب الله، قلب المحبة والغفران وعدم دينونة وشكاية الإخوة، بل حتى الأعداء، وعدم التشهير وفضح خطايا وضعفات الإخوة أو حتى الأشخاص الآخرين بشكل عام، لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. وكما علمنا بولس بروح النبوة في رسالة كورنثوس أن الحرف يقتل، لكن الروح يحيي، والعلم ينفخ، لكن المحبة تبني...

صلاتي لنا جميعًا أن نمسك بكل قلوبنا التعليم الذي هو حسب التقوى، وأن لا نحمل في قلوبنا ناموس الدينونة والشكاية والكبرياء، بل نحمل في قلوبنا ناموس الرحمة والحق والإيمان، كما علمنا سيدنا ربنا وإلهنا يسوع المسيح، بأعماله وحياته قبل كلامه وتعليمه. وكما غفر للمرأة الزانية، ما زال يغفر ويحرر ويهب الخلاص والحياة الأبدية لكل من يأتي إليه بتوبة حقيقية وتواضع قلبي، لكي نسمعه قائلًا:

"أما دانك أحد؟ ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضًا."

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.