أربعة أعوام مضت، وما زالت اللحظة التي انتقلت فيها ابنتي لتستقر في حضن الآب السماوي محفورة في وجداني، لا كذكرى للموت، بل كبوابة دخلتُ منها إلى عمق لم أكن أدركه من قبل. في تلك اللحظة، توقف الزمن الأرضي، وبدأ زمن الروح. لم يكن الفراق بالنسبة لي مجرد غياب جسدي، بل صار مخاضًا لإيمان جديد. كنت أظن أن الحزن سيهدم حصوني، لكنني اكتشفت أن نعمة الله تبني في الخفاء حينما تتهدم الظواهر. إن صمودي طوال هذه السنوات، ونمو إيماني رغم مرارة الغياب، هو شاهدي الحي على أن الله لا يتركنا في أتون التجربة وحدنا، بل يمشي معنا كما مشى مع الفتية الثلاثة، فتصير النار بردًا وسلامًا ونورًا يضيء عتمة النفس.
طوبى للحزانى: لاهوت التعزية في العظة على الجبل
حين أقف أمام كلمات السيد المسيح في العظة على الجبل: "طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ" (متى 5: 4)، أدرك اليوم أبعادًا لم أكن أفهمها من قبل. "الطوبى" هنا ليست مجرد بركة عابرة، بل هي حالة من السعادة السماوية التي تقتحم أرض الشقاء. المسيح لم يقل: "طوبى لمن لا يحزنون"، بل طوَّب الحزانى، وكأن الحزن هو المختبر الذي يستقبل تعزية الروح القدس.
لقد تعلمت أن الحزن للمؤمن ليس يأسًا، بل هو "اشتياق مقدس". الدمعة التي تسقط من عيني اليوم هي دمعة الرجاء، لأنني أعلم يقينًا أين هي الآن. إن التعزية الإلهية التي وعد بها الرب ليست مسكنًا مؤقتًا للألم، بل هي "حضور شخصي". الله يعزينا بذاته، يملأ الفراغ الذي تركه الغياب بملء وجوده هو. فالحزن الذي عشته صار جسرًا عبرتُ فوقه من سطحية الإيمان إلى جوهره، حيث لا يعود الله فكرة ذهنية، بل يصير "أبًا" يمسح الدموع بيديه الحانيتين.
دراسة اللاهوت: من الوجع إلى المعرفة الإلهية
إن قراري بالتعمق في دراسة اللاهوت لم يكن هروبًا من الواقع، بل كان بحثًا عن "الحق" وسط الضباب. لقد صار ألمي محرابًا لمعرفتي. في كل صفحة أطالعها، وفي كل بحث أقوم به، أشعر أنني أفك شفرات الأبدية. الدراسة بالنسبة لي تحولت إلى فعل عبادة؛ فحين أدرس طبيعة الله، وصفاته، وتدبيره الخلاصي، أجد إجابات لأسئلة الروح التي طرحها الوجع.
أدركتُ من خلال دراستي أن "اللاهوت" ليس مجرد نظريات جافة، بل هو "حياة". هو العلم الذي يفسر لي لماذا نتألم وكيف نرجو. إن زيادة معرفتي بذاك الذي أحبنا أولًا هي التي تمنحني القوة لأستمر. فالعلم يغذي عقلي، لكن إيماني هو الذي يحيي قلبي ويمنحني اليقين بأنني "أزرع بالدموع لأحصد بالابتهاج" (مزمور 126: 5). لقد صار الكتاب المقدس رفيقي، أجد فيه وعدًا لكل جرح، ورجاءً لكل انكسار.
قوة القيامة وشركة الآلام
أردد مع الرسول بولس بقلب واثق وفهمٍ متجدد: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (فيلبي 3: 10). هذه الآية تلخص مسيرتي في السنوات الأربع الماضية. لقد اختبرت "شركة الآلام" في غياب ابنتي، وهو ألمٌ مرّ، لكنه جعلني أشعر بنبض المسيح المتألم لأجلنا. وفي ذات الوقت، اختبرت "قوة قيامته" في قيامتي الشخصية من رماد الحزن إلى نور العمل والدراسة والخدمة.
إن الإيمان الذي ينمو في الضيق هو الإيمان الحقيقي؛ لأنه لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل يستند إلى صخرة الدهور. كلما زادت المعرفة اللاهوتية، زاد التواضع أمام سر الله، وزاد اليقين بأن ما نراه الآن هو مجرد "لغز في مرآة"، ولكننا يومًا ما سنرى وجهًا لوجه. هذا اليقين هو الذي يجعلني أبتسم وسط الدموع، لأنني أعرف أن ابنتي تسبقني في تسبيحة لا تنتهي، وأنني يومًا ما سأشاركها تلك التسبيحة.
الرجاء كمرساة للنفس
يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "الَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَمُثَبَّتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ الْحِجَابِ" (عبرانيين 6: 19). الرجاء في حياتي هو تلك المرساة. السفينة قد تقذفها الأمواج، والرياح قد تعصف بالأشرعة، لكن المرساة مثبتة في "ما وراء الحجاب"، في الأبدية حيث المسيح وابنتي هناك.
هذا الرجاء هو الذي يربط بين دراستي وحياتي الروحية. أنا لا أدرس لكي أحصل على شهادات، بل لكي أعد نفسي لتلك "السكنى الأبدية". المعرفة تزيد من توقي للقاء، وتجعلني أفهم أن موطني الحقيقي ليس هنا، بل هناك حيث النور الذي لا يغرب. إن السنوات الأربع التي مرت لم تكن ضياعًا، بل كانت "تراكمًا إيمانيًا"؛ فكل يوم يمر يقربني من اللقاء، وكل صلاة أرفعها هي خيط يربط الأرض بالسماء.
رسالة من قلب التجربة
إن رسالتي اليوم، كأب متألم وتلميذ في علم اللاهوت، هي أن الله لا يسمح بالضيق لكي يسحقنا، بل لكي يعيد صياغتنا. الألم هو الذي يزيل شوائب الأنانية والتعلق بالأرضيات، ليفسح مجالًا لملكوت الله في داخلنا. سأستمر في دراستي، وسأظل متمسكًا بإيماني الذي يزداد يومًا بعد يوم، واضعًا نصب عيني وعد الرب: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ" (يوحنا 14: 16). الروح القدس المعزي هو رفيقي في دراستي وفي حياتي، هو الذي يهمس في أذني حين يشتد الحنين: "هي في أمان، وأنت في أمان، واللقاء قريب".
بين دمعة الفراق ونور اللقاء، أعيش اليوم بملء الإرادة وبملء الإيمان، شاكرًا الله على كل شيء، لأنه في وسط الوجع أعطاني معرفة، وفي وسط الموت أعطاني حياة، وفي وسط الغياب منحني رجاءً لا يخيب أبدًا. سأظل أهتف مع صاحب المزامير: "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنْ مُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ" (مزمور 34: 18). هذه هي قصتي، وهذا هو إيماني، وهذا هو رجائي الذي لن ينقطع.
