يُعد عبور البحر الأحمر وعبور نهر الأردن من أعظم الأحداث في العهد القديم. فكلاهما يتحدث عن عبور شعب الله، وكلاهما يرتبط بالموت والقيامة، لكن كل واحد منهما يكشف جانباً مختلفاً من عمل الله في حياة المؤمن.
عند البحر الأحمر كان الشعب يخرج من أرض العبودية، أما عند الأردن فكان يدخل إلى أرض الموعد. الأول كان نهاية مرحلة، والثاني كان بداية مرحلة جديدة. الأول يتحدث عن الخلاص، والثاني عن التمتع بالميراث. الأول يحرر من العدو، والثاني يُدخل إلى الامتلاك.
كان عبور البحر الأحمر ليلاً، بينما كان عبور الأردن نهاراً. فالخروج من مصر تم وسط ظلام العبودية والخوف والاضطراب، أما الدخول إلى كنعان فجاء في نور النهار ووضوح الرؤية. وكأن الله يريد أن يعلن أن المؤمن يبدأ رحلته بالخلاص من الظلمة، لكنه لا يبقى هناك، بل يقوده تدريجياً إلى نور المعرفة والتمتع الكامل بمقاصده.
وفي البحر الأحمر كان العدو خلف الشعب يطاردهم، بينما عند الأردن كان العدو أمامهم في الأرض التي سيدخلونها. ففي البحر الأحمر كان السؤال: كيف ننجو من فرعون؟ أما عند الأردن فكان السؤال: كيف نمتلك الأرض؟ وهكذا تختلف تحديات المؤمن في كل مرحلة؛ فبعد أن يختبر الخلاص لا تنتهي المعركة، بل تبدأ معركة جديدة، هي معركة التمتع بما أعطاه الله له في المسيح.
من الناحية الرمزية، يُرينا البحر الأحمر موت المسيح وقيامته لأجلنا. لقد مات الرب يسوع وقام لكي يخلصنا من سلطان الخطية والعالم. وكما خرج الشعب من مصر تاركاً وراءه فرعون وجيشه غارقين في المياه، هكذا انفصل المؤمن أدبياً عن العالم الحاضر الشرير بفضل عمل المسيح الكامل على الصليب. لذلك صار المؤمن غريباً ونزيلاً في هذا العالم، وأصبحت البرية صورة لرحلته الحالية على الأرض.
أما الأردن فيحمل معنى أعمق. فهو لا يتحدث فقط عن موت المسيح لأجلنا، بل عن موتنا وقيامتنا معه. فالمؤمن لا يكتفي بمعرفة أن المسيح مات نيابة عنه، بل يدرك أيضاً أنه قد مات معه وأُقيم معه. كما يقول الرسول بولس: “وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع” (أف 2: 6).
صحيح أننا ما زلنا نعيش على الأرض وفي أجساد بشرية، لكن مركزنا الروحي أمام الله هو في السماويات. لقد أُدخلنا إلى دائرة جديدة من الامتيازات والبركات الروحية. وكما دخل الشعب إلى كنعان بعد عبور الأردن، هكذا يدخل المؤمن بالإيمان إلى اختبار غنى المسيح وبركات السماء وهو لا يزال على الأرض.
الروح القدس يضع رحلة البرية كلها بين هذين الحدثين العظيمين، ليُرينا أن حياة المؤمن العملية تقع بين حقيقة الخلاص وحقيقة الميراث.
فالبرية لم تكن مجرد مرحلة انتظار، بل مدرسة إلهية. هناك كشف الله لشعبه ما في قلوبهم من ضعف وتذمر وعصيان. وهناك أيضاً أعلن لهم ما في قلبه هو من صلاح وجود وأمانة. وكما يقول سفر التثنية، سمح الله لهم بالجوع والعطش والتجارب لكي يعرفوا أنفسهم، وفي الوقت نفسه يختبروا رعايته وعنايته اليومية.
لقد تعلموا في البرية أن الإنسان في ذاته لا شيء، وأن الله هو كل شيء. تعلموا أن قوتهم ليست في مواردهم، بل في نعمة الله. وعندما وصل بهم الله إلى هذا الإدراك، عبر بهم الأردن ليدخلوا إلى الميراث الذي وعدهم به.
حتى الوسائل التي استخدمها الله في العبورين تحمل دروساً عميقة. ففي البحر الأحمر استُخدمت عصا موسى، وهي أداة بشرية وضعها الله في خدمته. أما عند الأردن فتقدم تابوت العهد الذي حمله الكهنة، وهو رمز لحضور الله نفسه وسط شعبه. ففي بداية الطريق نرى عمل الله من أجلنا بوضوح، أما في التمتع بالميراث فتصبح شركة المؤمن مع الرب وحضوره الشخصي في مركز المشهد.
كما أن عبور البحر الأحمر تبعته ترنيمة عظيمة للنجاة والانتصار، أما عبور الأردن فلم يتبعه راحة، بل حروب وجهاد لامتلاك الأرض. وهذا يوضح أن الحياة المسيحية ليست مجرد اختبار خلاص وفرح، بل أيضاً دعوة للجهاد الروحي. فكما واجه بنو إسرائيل شعوب كنعان، يواجه المؤمن اليوم “أجناد الشر الروحية في السماويات”. لكنه يجاهد من موقع النصر الذي أعطاه له المسيح، لا ليكسب الميراث بل ليتمتع به.
ومن اللافت أيضاً أن دور موسى كان واضحاً جداً عند البحر الأحمر، فهو القائد الذي استخدمه الله لإخراج الشعب من مصر. وهذا يذكرنا بالمسيح المصلوب الذي خلصنا من عبودية الخطية. أما عند الأردن، فيبرز يشوع، الذي يشير إلى المسيح المقام والممجد. فالمؤمن لا يعرف المسيح فقط كمخلص مات لأجله، بل أيضاً كرب حيّ ممجد يقوده إلى التمتع بكل بركات الله.
إن البحر الأحمر والأردن ليسا حدثين منفصلين، بل مرحلتان متكاملتان في قصد الله. فالله لا يريد فقط أن يخرجنا من مصر، بل أن يدخلنا إلى كنعان. لا يريد فقط أن يحررنا من العبودية، بل أن يجعلنا نتمتع بالميراث. لا يريد فقط أن نعرف الغفران، بل أن نختبر غنى الشركة مع المسيح ومجد الحياة السماوية.
فالرب الذي شق البحر الأحمر هو نفسه الذي أوقف مياه الأردن. والرب الذي خلصنا بدمه هو نفسه الذي أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات. لذلك لا ينبغي أن نتوقف عند اختبار الخلاص وحده، بل أن نتقدم بالإيمان لنمتلك عملياً كل ما وهبه الله لنا في المسيح، فنعيش هنا على الأرض كسماويين، منتظرين اليوم الذي فيه ندخل إلى المجد الكامل ونرى الرب وجهاً لوجه.
