عار المسيح وإكليل المجد

كيف يرتبط عار المسيح بمجده، ولماذا يدعو الإيمان المؤمن إلى حمل الصليب والثبات وسط الألم والرفض؟ دعوة روحية تكشف أن طريق المسيح لا ينتهي بالخزي، بل يقود إلى المجد والكرامة والحياة الأبدية.
قبل 6 ساعات
عار المسيح وإكليل المجد

عندما نتكلم عن شخص المسيح، فلا بُد أن نفتكر بشخص عظيم، صاحب السيادة والسلطان المُطلَق في السماء وعلى الأرض، هذا الشخص العجيب الفريد الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم، وروى لنا الإنجيل قصة الحُب العجيب في حياته، كذلك علَّم الرسل في العهد الجديد مبادئ الإيمان المسيحي التي ترتكز على شخصه المبارك.

مع كل هذه الأمور والحقائق المجيدة، تكلم الرسل والأنبياء عن عار المسيح، فكيف لنا أن نربط كلمة العار بشخص المسيح؟ مع أن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد لم يذكر لنا شخصية من الأنبياء، الملوك أو الرسل، التي من الممكن أن تشابه ولو بالقليل شخص المسيح المبارك والمجيد!

نقرأ في كتاب دانيال الأصحاح السابع نبوة عن المسيح، التي تُظهِر مجده وجلاله:

"كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقرَّبوه قدامه، فأُعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض".

كان لقب "ابن الإنسان" هو المُفضل على قلب يسوع عندما كان يتحدث عن نفسه في الأناجيل، لم يذكر أنه هو الرب المسيح ابن الله الحي، بل كان يجيب دائمًا: "أنت تقول" عندما كانوا يسألونه عن شخصه المبارك، ونقرأ هنا في كتاب دانيال عن ابن الإنسان (يسوع المسيح)، الذي كان مع سحب السماء قبل أيام تجسده على الأرض، وقرَّبوه إلى القديم الأيام، الله الآب القدوس، وأعطاه السلطان والمجد والملكوت لتتعبد له جميع الشعوب والأمم والألسنة، الذي سلطانه لن يزول وملكوته أبدي، فهل نتساءل بعد أن كان يسوع المسيح هو الله الظاهر في الجسد؟ الذي يستحق العبادة والسجود لأنه ابن الله المبارك الذي تنبأ عنه دانيال وغيره أنه سوف يأتي الملك العظيم من نسل الملك داود.

هذا الملك العظيم، بل ملك الملوك ورب الأرباب، الذي كتب أيضًا عنه يوحنا في إنجيله الأصحاح الأول:

"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة، والحياة كانت نور الناس، والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه".

صفات مجيدة يذكرها يوحنا عن يسوع الكلمة، يسوع الله، الذي به كان كل شيء، الذي به كانت الحياة والنور...

نقرأ في إنجيل يوحنا الأصحاح الثاني كيف أظهر يسوع مجده عندما حوَّل الماء إلى الخمر، لأن يسوع في أيام تجسده على الأرض أخفى مجده وجلاله، وكما نقرأ في رسالة بولس إلى أهل فيلبي الأصحاح الثاني عن يسوع الذي لم يحسب نفسه خلسة معادلًا لله، بل أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، وأطاع حتى الموت، موت الصليب!

نقرأ في إنجيل يوحنا عبارة ترددت بعض المرات وهي:

"أتت الساعة".

ففي الأصحاح السابع عشر قال يسوع للآب:

"أيها الآب، قد أتت الساعة، مجِّد ابنك ليمجدك ابنك أيضًا، والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي قبل كون العالم".

كذلك في الأصحاح الثالث عشر، بعد أن أخبر يسوع عن الذي سوف يسلمه، قال:

"الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه، إن كان الله تمجد فيه، فإن الله سيمجده في ذاته، ويمجده سريعًا".

تكلم يسوع هنا عن مجد الصليب، مجد الفداء والعطاء، مجد طاعته لصوت ودعوة الآب القدوس الذي أرسل ابنه مخلص العالم.

نقرأ في الكتاب المقدس عن يسوع الذي لم يعرف خطية، الذي أصبح خطية لأجلنا، لأنه أخذ خطايانا في جسده على عود الصليب، كذلك نقرأ أنه ملعون كل من عُلِّق على خشبة!

يسوع المسيح القدوس البار، الذي مخارجه منذ الأزل، أصبح خطية ولعنة لأجلنا جميعًا، بل وأخذ عارنا وخزينا لكي يهبنا الخلاص والحياة الأبدية، ويمنحنا بره وطبيعته الإلهية، وبعمل فدائه العجيب أصبحنا أولادًا لله إلى الأبد!

إن كان سيدنا وربنا يسوع المسيح قد تألم من أجلنا جميعًا إلى أقصى الحدود، وحمل خزينا وعارنا، أفلا يجب علينا نحن أيضًا أن نحمل "عار المسيح"، ونتحمل الألم والاضطهاد، بل الجوع والعري وحتى الموت من أجل شخصه المبارك الكريم؟!

ألم يعلمنا سيدنا أنه طوبانا إذا عيَّرونا واضطهدونا من أجل شخصه المبارك عندما قال:

"طوبى لكم إذا عيَّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم".

هل نحن على استعداد أن نتألم ونُهان من أجل المسيح؟

ونحمل عاره في المجتمع والعالم الذي نعيش فيه؟

ونرفع راية الإنجيل عاليًا بدون تردد أو خجل، لكي نرفع اسم يسوع المسيح في حياتنا ولِمَن هم حولنا؟

هل نحسب مع الرسول بولس أن كل شيء هو بمثابة خسارة ونفاية من أجل أن نربح المسيح وملكوته المبارك؟ (رسالة فيلبي 3: 8).

هل نحسب مع موسى عار المسيح غنًى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة؟ (العبرانيين 11: 26).

الإنجيل لا يعلمنا أن حياة الإيمان المسيحي هي دائمًا حياة راحة وسرور ورفاهية وطمأنينة ونجاح!

بل يعلمنا أنها قبل كل شيء واعتبار أنها حياة صلاة، حياة جهاد روحي التي تُترجم إلى محبة الآخر والغفران للجميع، وبأن نعرف أن نرد على الشر بالخير، واللعنة بالبركة، والسلب بالعطاء!!!

فهل نحن على استعداد بأن نصلب الأنا والشهوة والذات والكبرياء، ونحمل صليبنا ونتبع حمل الله يسوع المسيح أينما ذهب؟!

ونقول مع بولس:

"الذي صرت أنا بولس خادمًا له. الذي الآن أفرح في آلامي لأجلكم، وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده، الذي هو الكنيسة، التي صرت أنا خادمًا لها، حسب تدبير الله المعطى لي لأجلكم، لتتميم كلمة الله". (كولوسي 1: 24).

وهكذا نتعلم من بولس أن نتألم ونُضحي من أجل الإخوة والكنيسة، وأن نخدم شعب الرب بكل وداعة وتواضع، طائعين كلمة الرب ودعوته لنا.

إن الحياة المسيحية هي حياة صعبة جدًا، وتفرض علينا تحديات روحية واجتماعية كبيرة، وبشكل خاص إذا كنا نعيش كلمة الله والإنجيل بكل تقوى وتواضع، وبكل طاعة وخضوع!

لكن نحن لا نخاف ولا نقلق، لأن الرب لم يعطنا روح الفشل، بل روح القوة والمحبة والنصح، وكما غلب يسوع الخطية والعالم والموت، فلا بُد لنا جميعًا أن نغلب أيضًا، نغلب بالإيمان الذي أعطانا إياه الله، لأن الإيمان هو القوة الروحية للغلبة والنصرة.

نحن نعلم كم تألم شعب الرب على مدى العصور، من أيام نوح وأيوب وإبراهيم وإرميا وداود، إلى أيام بطرس وبولس ويعقوب وتيموثاوس، إلى يومنا هذا!

صلاتي أن نسمع ونقبل تشجيع بطرس للكنيسة بروح الرب قائلًا:

"أيها الأحباء، لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة، لأجل امتحانكم، كأنه أصابكم أمر غريب، بل كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين. إن عُيِّرتم باسم المسيح، فطوبى لكم، لأن روح المجد والله يحل عليكم". (بطرس الأولى 4: 12).

نحن نعيش الآن أيام جهاد ودموع وتضحيات، وربما سفك الدم والموت الجسدي أيضًا، لكن عن قريب سوف يأتي مخلصنا ربنا وإلهنا يسوع المسيح، وسوف نكون ونملك معه إلى أبد الآبدين في ملكوته السماوي، حيث لا وجع ولا مرض أو اضطهاد أو جوع وعري وموت، بل حياة وفرح وسلام ومجد أبدي، لأن من يحمل اليوم إكليل "عار المسيح"، فلا بُد أن يُلبسه يسوع المسيح عن قريب إكليل المجد والكرامة، ونطرح تيجاننا مع الشيوخ في السماء، ونعطي كل المجد للآب السماوي القدوس وابنه الرب يسوع المسيح إلى الأبد، لأنه عن قريب، بل عن قريب جدًا، سوف تجثو باسم يسوع كل ركبة، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربٌّ لمجد الله الآب، آمين.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.