كُوَتْش مُدرِّب أم كارز مُبَشِّر؟

الخطاب التحفيزي يتجنب الحديث عن "الخطية" لأنها كلمة "سلبية" قد تنفر الجمهور أو تجرح مشاعره.
قبل 5 ساعات
كُوَتْش مُدرِّب أم كارز مُبَشِّر؟

لسنا ضد الدور الذي يلعبه المدرب (Coach) أو خبير التنمية الذاتية في تطوير المهارات الإنسانية، وتحفيز الطاقات، ومساعدة الأفراد على ترتيب أولوياتهم الحياتية والمهنية، بالتأكيد هذا عمل مهني له سياقه الصحيح.

لكن تحفظنا يكمن في "خلط الأدوار"؛ فنحن ضد تحويل المنبر إلى منصة تدريبية بحتة، وضد الخلط بين "المحفّز، أو المدرب" الذي أُفسح المجال له دون تمييز في كنائسنا وعلى منابرنا للأسف وبين "الخادم" (الكارز بالإنجيل).

تكمن الإشكالية في الخطاب المسيحي الذي يمزج بين الوعظ الروحي وتقنيات التحفيز الذاتي، حيث تذوب الفوارق بين "النص المقدّس" و"قوانين النجاح" المادية. يخلق هذا التداخل حالة من الضبابية الوظيفية؛ فيبدو المتحدث كأنه يبيع "خلاصاً أرضياً" بعباءة دينية، أو يسوّق لإيمانٍ لا يهدف إلا لتحقيق "الرفاهية النفسية" والنمو الاقتصادي.

ولأن الغالبية جاهلين بهذا الفرق الجوهري بين رسالة الإنجيل و الدعوات المزيفة التي تقدم (وكأنها هي الانجيل أو ما يريده الله من الانسان) للأسف فأي شخص يستخدم عناوين براقة أو قشور خارجية من الكتاب المقدس بينما مضمونه كله تنمية بشرية وعلم نفس أصبح يأخذ دورا في الخدمة المسيحية وحتى يكون له مكانة عليا.

وإليك معياراً بسيطاً للتمييز:

إذا كان المتكلم يُركز غالباً على "الذات" (Self)، وكيفية استخراج القوة الكامنة داخل الإنسان لتحقيق النجاح الأرضي، فهو غالبا مدرب تنمية بشرية وليس واعظا ولا كارزا ولا شيئا من هذا القبيل. الخادم الحقيقي يُركز على "المسيح" (Christ)، وكيفية تسليم الضعف البشري للنعمة الإلهية لنوال الخلاص والحياة الأبدية.

إن الإنجيل ليس "وصفة للنجاح" أو تقنيات للتنمية البشرية، بل هو رسالة توبة وفداء. نحن لا نعارض التنمية وتطوير الذات، لكننا نتمسك بقدسية الخدمة وهويتها؛ فهدف الكنيسة هو "تجديد الذهن" بالروح القدس، وليس مجرد "تعديل السلوك" بالتحفيز البشري. ولا عجب ان المعلمين الكذبة استعاروا خطاب التنمية البشرية، فخطاب مدرب التنمية البشرية يبدو ملهما. إذ يركّز غالبًا على تحسين جودة الحياة، والازدهار، والشعور بالسعادة، وهكذا يفعل المعلم الكاذب، بينما يغيب عن رسالته الحديث الواضح عن الخطية والتوبة. وبحسب طرحه، تُفهم كفارة المسيح كوسيلة للشفاء والحياة المريحة، دون إبراز الحاجة الجوهرية إلى غفران الله القدوس.

كما أن المعلم الكاذب يتجنّب تأكيد بعض تعاليم الكتاب المقدس المتعلقة بالخطية، وتعكس تصريحاته ميلًا نحو النسبية.
إن تجاهل موضوع الخطية، كما يحدث في تعليم هؤلاء، يعني تقديم إنجيل ناقص. فعدم تسمية الخطية بوضوح لا يحرّر الإنسان، بل يتركه في عبوديته. وبهذا، تُختزل رسالة الخلاص إلى التحرر من التعاسة أو الفشل، بدلًا من الخلاص من الخطية ودينونة الله. فلا يعود الإنسان بحاجة إلى فداء إلهي، بل إلى خطة لتحسين ذاته.
وقد يخرج المستمع بانطباع أن غاية الله الأساسية هي إسعاد الإنسان ماديًا ونفسيًا، بينما يعلّم الكتاب المقدس أن هدف الله الأعمق هو إحياء الأموات روحيًا، وتبرير الأشرار، ومصالحة الإنسان معه. أما البركات كالسعادة أو الثقة، فهي تأتي كنتيجة للخلاص والسير في مشيئة الله، لا كهدف بحد ذاته.

كذلك، لا يقدّم العهد الجديد وعودًا بالصحة أو الثروة في الحاضر، بل يشير إلى ميراث سماوي محفوظ. لذا، فإن التركيز على إنجيل قائم على التحفيز أو المكاسب المادية يُعد نظرة قاصرة، إذ يوجّه الأنظار إلى عالم زائل بدلًا من الأبدية، فالرسالة الكتابية تدعو إلى التوبة والإيمان.

ورغم أن رسالة هؤلاء الذين يُشكلون الأكثرية في المسيحية اليوم للأسف جذابة ومليئة بالإيجابية، وتُقدَّم بأسلوب مؤثر، إلا أنها تفتقر إلى العمق اللاهوتي. فقد تم تهميش عناصر أساسية من الإنجيل بهدف توسيع دائرة القبول، ما يجعل هذه الرسالة غير كافية لإشباع الاحتياج الروحي الحقيقي، خاصة في أوقات الأزمات.
في أفضل الأحوال، يعكس تعليم هؤلاء قشرة خارجية من المسيحية، وفي أسوأها قد يقدّم تصورًا مشوّهًا لها. فعندما تنحصر الرسالة في المشاعر الإيجابية والنجاح الشخصي، تتحول من كرازة إلى خطاب تحفيزي يستخدم لغة دينية. وهذا النوع من التعليم لا يُنتج تلاميذ حقيقيين، ولا يثبّت الإيمان عند الشدائد، بل قد يقود إلى الإحباط عندما لا تتحقق التوقعات.

إن الكرازة الحقيقية لا تتجنب القضايا الصعبة، كموضوع الخطية والأخلاق، إرضاءً للناس. كما أنها لا تستبدل الحق بالنجاح المادي أو المشاعر المؤقتة. وبغض النظر عن نوايا معلّمي التنمية البشرية وإنجيل الرخاء، وغيرهم  فإن هذا النهج لا يعبّر عن الإنجيل الكتابي.

رسالة المعلمين الكذبة حلوة وجذابة وجميلة. وتُقدّم مع ابتسامة، وقدر كبير من المشاعر الطيبة. ولكن هذه الرسالة أيضًا جوفاء، وضعيفة، وخالية من أي قيمة حقيقية. فقد تم فيها إغفال الأجزاء الأكثر أهمية من الإنجيل، وذلك بهدف توسيع جاذبية المتحدث وقاعدته الجماهيرية وتربحه من الناس. وأي شخص يعتمد على هذه الرسالة، دون أن يدرك ما هو مفقود فيها، سيجد نفسه جائعًا روحيًا، ومحبطًا، وفي حالة يرثى لها عندما تقع كارثة حقيقية.

هذا الخطاب "مخدر" ينهار عند أول أزمة حقيقية (مرض، فقدان، اضطهاد)، لأن الشخص الذي تدرب على أن الله "وصفة للنجاح" سيفقد إيمانه عندما يواجه الفشل.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.