يُعتبر منزلنا الخاص، بشكل عام، أكثر أماكن الراحة والطمأنينة في حياتنا، حيث نتمتع بالعلاقة مع الأهل والإخوة في نطاق العائلة الواحدة، بعد يوم دراسي صعب أو يوم عمل شاق، حيث يُوفَّر لنا الطعام والشراب والسرير للراحة، لكن الأهم من الراحة الجسدية هي الأمور النفسية والروحية.
نقرأ في إنجيل يوحنا الأصحاح الثالث عشر، عندما غسل يسوع أرجل تلاميذه، إذ كانوا في شركة مع بعض، خاصة السيد نحو تلاميذه، عندما انحنى وتواضع إلى أقصى الحدود وغسل أرجل التلاميذ!
بعد هذا الحدث أعلن الرب يسوع أنه وسط التلاميذ من سوف يُسلمه ويخونه، وبعدها أعلن لسمعان بطرس أنه سوف يُنكره ثلاث مرات!
بعد هذه الإعلانات الصعبة، نقرأ في يوحنا الأصحاح الرابع عشر اهتمام يسوع بمشاعر التلاميذ، عندما قال لهم: لا تضطرب قلوبكم، والسبب لعدم الاضطراب هو أنه في بيت الآب منازل كثيرة، ولأن إرادة يسوع أنه حيث يكون هو سوف يكون أيضًا تلاميذه.
لكن التلاميذ لم يفهموا عمق المعنى الروحي لإعلان يسوع لهم، ولأنهم لم يعرفوا الطريق التي تُؤدي إلى هذا المكان، وعندما سأله توما عن "الطريق" أعلن يسوع الإعلان العظيم المبارك:
"أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي".
وبعدها عبَّر فيلبس عن رغبته بأن يروا الآب، وكان رد يسوع:
"من رآني فقد رأى الآب".
لم ولن نقرأ أن أحد الأنبياء أو الرسل أو الملوك قال عن نفسه بأنه هو الطريق والحق والحياة، وبأنه فقط به نأتي إلى الآب.
فقط يسوع المسيح، وبشكل مُطلق، هو وحده الطريق الذي يوصلنا إلى السماء وإلى الآب السماوي. ليس دين أو طائفة أو شرائع أو تدين بأصوام وصلوات توصلنا إلى ملكوت السماوات، بل فقط بما أعلنه لنا كاتب رسالة العبرانيين بأنه لنا ثقة بالدخول إلى "الأقداس" بدم يسوع، طريقًا كرسه لنا حديثًا حيًا، بالحجاب، أي جسده.
أخذ يسوع خطايانا في جسده على عود الصليب، وبسفك دمه، وموته وقيامته في اليوم الثالث، شقَّ الحجاب الذي كان يفصل بيننا وبين الآب السماوي القدوس، وأعطانا النعمة بأن ندخل إلى الأقداس على حساب دمه الكريم الثمين، ندخل إلى محضر الآب القدوس كل يوم في الصلاة والعبادة، وفي النهاية ندخل إلى الملكوت السماوي من خلال الطريق الوحيد يسوع المسيح، من خلال دم حمل الله، الطريق الحديث الحي.
لكن علاقتنا نحن مع الله الآب القدوس وابنه يسوع المسيح، هي غير مبنية فقط على تعاليم الإنجيل الشفهية أو الخدمة والعبادة، لكن فوق كل اعتبار هي علاقة محبة بين الآب وأبنائه الروحيين، إنها علاقة محبة بين الرب يسوع المسيح والعروس المحبوبة، أي الكنيسة، وهذا ما أعلنه رب المجد يسوع في نفس الأصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا:
"إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويُحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا".
يا له من إعلان مبارك ومجيد، بأن يحبنا الآب لأننا نُحب ابنه يسوع، وعلى حساب هذه المحبة الكاملة يأتي الآب ويسوع بكل المجد والكرامة والقوة، ويصنعان عندنا منزلًا، بمعنى أن قلوبنا وأفكارنا، كياننا وحياتنا، تمتلئ من حضور الآب القدوس وابنه يسوع المسيح بالروح القدس، فكيف يكون هذا، إخوتي؟!
أنا لست أعلم ولا أفهم بفكري البشري المحدود، لكن أؤمن من كل قلبي وكياني بهذا الوعد المبارك الجليل!!!
لكن يتابع يسوع بالقول إن من يحبه يحفظ وصاياه، وأولى الوصايا هي أن نحب الرب الإله من كل القلب والنفس والفكر والقدرة، وأن نحب القريب كنفسنا.
كذلك أعلن يوحنا في إنجيله بأن من له الابن يسوع المسيح له الحياة، ومن ليس له الابن فليس له الحياة، بل يمكث عليه غضب الله!!!
وهل نعتقد نحن أنه عندنا الرجاء بالدخول إلى ملكوت السماوات ومنزلنا السماوي، إن لم نحب الله الآب وابنه يسوع ونحفظ وصاياه، وأن نحب بعضنا بعضًا كما أحبنا هو؟!
يحثنا كاتب رسالة العبرانيين بأن نثبت بالإيمان لكي ننال المواعيد، فيقول عن المسيح:
"وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء وافتخاره ثابتةً إلى النهاية".
وكما أوصانا يسوع في إنجيل متى أن من يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص، لكن ليس بقوتنا ومعرفتنا البشرية، بل بعمل روحه القدوس وإرشاد كلمته وأمانته نحونا، وكما علَّم بولس في رسائله أن المؤمن بالمسيح هو هيكل للروح القدس الآن على الأرض.
صلاتي أن نُعلن جميعنا رغبة قلوبنا الصادقة مع كاتب المزمور 27:
"واحدةً سألت من الرب وإياها ألتمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى جمال الرب، وأتفرس في هيكله".
لأنه عن قريب جدًا، عندما يهبنا الرب يسوع بنعمته العجيبة ومحبته الكاملة أن ندخل ملكوته السماوي، سوف نختبر ما كتبه رسول المحبة يوحنا في رؤيا يوحنا الأصحاح 21:
"ولم أرَ فيها (أورشليم المقدسة النازلة من السماء) هيكلًا، لأن الرب الله القادر على كل شيء، هو والخروف (يسوع المسيح) هيكلها، والمدينة لا تحتاج إلى شمس ولا إلى قمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها، ولن يدخلها شيء دنس ولا ما يصنع رجسًا وكذبًا، إلا المكتوبين في سِفر حياة الخروف".
آمين.
