في عمل الله: لماذا تكون الجودة أهم من الكثرة؟

التحدي أمامنا اليوم أن نثبت في دعوتنا، وألا ننظر إلى الوراء بعدما وضعنا أيدينا على المحراث.
قبل 10 ساعات
في عمل الله: لماذا تكون الجودة أهم من الكثرة؟

نشتكي اليوم من نقص الخدّام والمتطوعين، ونبحث باستمرار عن وسائل لجذب المزيد من الأشخاص إلى الخدمة. لكن عندما نعود إلى الإنجيل، نكتشف أن هذه المشكلة ليست جديدة. فقد واجه الرب يسوع نفسه واقعًا مشابهًا، ومع ذلك كانت طريقته في التعامل معه مختلفة عمّا نتوقع.

عندما نظر الرب يسوع إلى العالم من حوله، رأى احتياجًا هائلًا. كانت الجموع كغنم لا راعي لها، وكانت النفوس بحاجة إلى من يحمل لها رسالة الله. لذلك قال لتلاميذه:

“إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ” (لوقا 10: 2).

قد يتوقع البعض أن يكون الحل الأول هو إطلاق حملات تجنيد للخدّام أو البحث المحموم عن متطوعين جدد، لكن الرب يسوع بدأ بالصلاة. فالخدمة ليست مشروعًا بشريًا يعتمد على المهارات والتنظيم، بل هي عمل إلهي يحتاج إلى تدخل رب الحصاد نفسه. لذلك كان العلاج الأول لنقص الفعلة هو الصلاة.

لكن هذا لم يكن كل شيء.

فقبل أن يرسل الرب الاثنين والسبعين للخدمة، نراه في نهاية لوقا 9 يتحدث مع ثلاثة رجال أبدوا رغبتهم في اتباعه. للوهلة الأولى يبدو أنهم مرشحون مثاليون للخدمة، لكن الرب يسوع لم يسعَ إلى زيادة الأعداد بأي ثمن، بل اختبر حقيقة التزامهم.

أحدهم كان يريد أن يتبع المسيح بشرط الاحتفاظ بوسائل الراحة الشخصية. والثاني أراد تأجيل الطاعة بسبب التزاماته العملية والعائلية. والثالث أراد أن يلتفت إلى الوراء ليودع أهله قبل أن ينطلق في الطريق.

في كل حالة كشف الرب عائقًا يمنع التلمذة الحقيقية.

إن اختبارات هؤلاء الرجال الثلاثة تكشف ثلاثة عوائق رئيسية للتلمذة: وسائل الراحة المادية، والوظيفة أو العمل، والعائلة والأصدقاء. فالمسيح يجب أن يملك وحده على القلب دون منافس، بينما تأتي كل أشكال الولاء الأخرى في المرتبة الثانية.

لهذا ختم الرب حديثه بالقول:

“لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ” (لوقا 9: 62).

ويشرح وليم ماكدونالد أن هذه الآية لا تتحدث عن الخلاص، بل عن الخدمة. فالدخول إلى ملكوت الله يتم بالإيمان بالمسيح وبعمله الكامل على الصليب، أما الكلام هنا فيتعلق بمدى صلاحية المؤمن للخدمة داخل الملكوت. فالخادم الذي ينشغل باستمرار بما تركه وراءه، أو يسمح للعلاقات والاهتمامات المشروعة أن تسلب قلبه من التكريس الكامل للرب، يصبح غير مؤهل لأداء الخدمة التي دعاه الله إليها.

ومن اللافت للنظر أن الرب يسوع لم يحاول تخفيف شروط التلمذة من أجل الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الأتباع. بل على العكس، كان مستعدًا لأن يخسر الكثيرين لكي يحتفظ بالقليل الملتزم. فهو يعلم أن شخصًا مكرسًا بالكامل لله يساوي أكثر بكثير من عشرات الأشخاص المترددين.

بعد هذه التصفية الروحية، أرسل يسوع الاثنين والسبعين للخدمة. لقد فضّل مجموعة أصغر لكنها أكثر التزامًا واستعدادًا للطاعة. ويبدو أن كثيرين من هؤلاء كانوا لاحقًا ضمن الجماعة التي اجتمعت في العلية وانتظرت موعد الروح القدس، فأصبحوا جزءًا من النواة الأولى لكنيسة أورشليم.

وهنا نتذكر ما فعله الله مع جدعون عندما قلّص جيشه من اثنين وثلاثين ألف رجل إلى ثلاثمائة فقط."فَقَالَ الرَّبُّ لِجِدْعُونَ:«بِالثَّلاَثِ مِئَةِ الرَّجُلِ الَّذِينَ وَلَغُوا أُخَلِّصُكُمْ وَأَدْفَعُ الْمِدْيَانِيِّينَ لِيَدِكَ..»."(قض 7: 7). لم يكن الله يبحث عن الكثرة، بل عن النوعية. فالانتصار الحقيقي لا يعتمد على حجم القوة البشرية بل على نوعية الأشخاص الذين يعتمدون على الله ويطيعونه.

الله لم يعتمد يومًا على الأعداد الكبيرة لتحقيق مقاصده، لكنه عبر التاريخ كان يصنع أعظم أعماله من خلال بقية صغيرة مكرسة له بالكامل.

السؤال الحقيقي ليس: كم عدد الأشخاص/ الخدام الموجودين؟

بل: كم عدد الأشخاص الذين وضعوا أيديهم على المحراث ولن ينظروا بعدها إلى الوراء؟

يا رب الحصاد، لا تجعلنا نبحث عن الكثرة أكثر من الأمانة، ولا عن النجاح الظاهر أكثر من الطاعة. امنحنا قلوبًا مكرسة لك بالكامل، لا تلتفت إلى الوراء بعد أن وضعت يدها على المحراث. اجعلنا من الفعلة الذين تستخدمهم لمجد اسمك، وأرسل فعلة أمناء إلى حصادك الكثير. باسم الرب يسوع. آمين

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.