إضاءة إيمانية

حين يواجه الإيمان امتحان العنف، تظهر حقيقة القلب: فهناك من يحوّل العقيدة إلى محبة وغفران، وهناك من يجعلها طريقًا للقتل. بين شهداء بغداد وليبيا يبرز سؤال عميق: أي إيمان يقود الإنسان إلى الله؟
قبل 5 ساعات
إضاءة إيمانية

مقدمة:

إن الإيمان الحقيقي هو شعور وإحساس بأن الله قد امتلك أو استحوذ على قلب الفرد بكل جوارحه، وجعله ينبض بمشيئته المملوءة محبةً وخيرًا للآخرين، من دون أي كره أو حقد للمختلفين معه في الإيمان.

الموضوع:
إن الإيمان يتبلور إلى معتقد، معتقد قد يكلّف الفرد التضحية بحياته من أجله، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مجزرة كنيسة سيدة النجاة في 31.10.2010 / حي الكرادة - بغداد - العراق، {حيث نفّذ مسلحون من تنظيم “القاعدة” الإرهابي هجومًا على الكنيسة، أثناء إقامة قداس الأحد، في تمام الساعة الخامسة مساءً، حيث اقتحم المسلحون الكنيسة التي كانت مكتظةً بالمصلين.. قُتل كاهنان كانا يصليان مع المؤمنين، وأُصيب العشرات من أبناء شعبنا بجروح، حيث استمرت المواجهات بين المسلحين والقوات الأمنية العراقية حتى الساعة العاشرة مساءً، وأخيرًا اقتحمت القوات الكنيسة لتحرير الرهائن المتبقين. ونتج عن هذه المجزرة مقتل 3 من المهاجمين، فيما استُشهد 46 مسيحيًا، وأُصيب نحو 160 آخرين. / نقل من موقع النشرة السريانية}.

وهنا من الممكن أن تُثار الكثير من علامات التعجب والاستغراب في هذه الواقعة تحديدًا: أولًا، إن المهاجمين الإرهابيين مسلمون عقيدةً وإيمانًا، ولكن السؤال: لِمَ “القتل” لأناس مسالمين لا يعتدون، وهم يصلون، وقرآن محمد ينص على مقاتلة المقاتلين: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ / 190 سورة البقرة”. ولكن في هذه الواقعة / المجزرة، الذين قُتلوا غير مقاتلين، بل كانوا مصلين!

وتبرز هنا قاعدة عقائدية إسلامية، وهي ظهور نصوص موازية للقرآن! وهي أحاديث محمد، التي أصبحت نهجًا للمنظمات الإرهابية الإسلامية، كقرآن موازٍ للقتل والصلب والسحل.. ومنها حديث محمد: “أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله / رواه البخاري ومسلم”.

من تتبّع النص القرآني والحديث النبوي الواردين أعلاه، أرى نهجًا بدأ يتشكل لدى المنظمات الإرهابية الإسلامية، ألا وهو “ثقافة القتل”، وهذا مؤشر خطير في مسيرة هذه المنظمات التكفيرية.. من جانب آخر، رب المجد، في نهجه وتعاليمه، فإنه ينهج نهجًا سماويًا، ليس له من تقارب مع النص القرآني والحديث النبوي، فالمسيح في موعظته على الجبل يقول: “طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى، لأنهم يتعزون. طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض. طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يشبعون. طوبى للرحماء، لأنهم يُرحمون. طوبى لأنقياء القلب، لأنهم يعاينون الله. طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون. طوبى للمطرودين من أجل البر، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا، لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم / مقطع من الموعظة على الجبل”. أرى وجود بون واسع بين ثقافة القتل وبين المحبة.

في هذه الإضاءة الإيمانية، أود أن أستعرض مجزرةً أخرى، وبعجالة، من خلال فيديو لاستشهاد العمال المسيحيين في ليبيا: “في 15 من فبراير / شباط 2015، بثَّ تنظيم «داعش» في ليبيا فيديو يُظهر إعدام 21 مسيحيًا؛ 20 مصريًا قبطيًا، إضافةً إلى مواطن غاني. واليوم، بعد أحد عشر عامًا، تحوّلت العور المصرية، التي تحتضن رفات الشهداء، من قرية صغيرة إلى مقصد حجّ، واستحالت قصص الاستشهاد دروسًا في المغفرة والوحدة المسيحية / فقرة من مقال للسيد سهيل لاوند منشور في موقع / آسي مينا”. أرى في هذا المشهد المأساوي الإيماني، ومن لغة جسد العمال، أن المذبوحين، وطريقة سيرهم، لا بكاء ولا توسل ولا انفعال ولا انكسار ولا خوف.. يظهر الفيديو أن المذبوحين كانوا كالأسود، بينما القتلة كانوا كالثعالب الهالكة.. فالإيمان سلاح روحي، ذخيرته بما يؤمن الفرد به من عقيدة، حتى وإن كان أعزلًا بلا سلاح، لأن سلاحه هو الإيمان الحق.

خاتمة:
العقيدة الإيمانية تشكّل الحيثيات الشخصية للفرد، فمنهم من تقودهم هذه الحيثيات إلى “ثقافة القتل”، ومنهم من تقودهم ذات الحيثيات إلى فضاء غير محدود من المحبة والغفران والتسامح.. والقصد واضح!

هناك مؤمنون يضحون بأنفسهم في سبيل عقيدتهم الإيمانية، وآخرون ينتهجون “ثقافة القتل”، فيقتلون آخرين دون أي سبب، سوى أنهم يختلفون معهم في العقيدة والإيمان. وقد تنبأ رب المجد بقوله: “سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ / (يو 16: 2)”. نقطة رأس السطر.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.