أحبَّ الله أولاده وشعبه وخليقته من أيام آدم وحواء إلى يومنا هذا. ورغم السقوط والخطايا، يبقى الله هو الغافر الذنوب وماحي الآثام، لأنه كثير الرحمة والرأفة على شعبه ومختاريه.
نقرأ في الكتاب المُقدَّس عن عهد الله ووعده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وعن الشركة المباركة مع عبده موسى رجل الله، وقيادته ليشوع بن نون الذي امتلك أرض كنعان حسب مشيئة الله.
لكن الشعب القديم لم يكن أمينًا مع إلهه، بل خان العهد وكسر الوعد بأن يُحبَّ الربَّ الإله من كل القلب والنفس والقدرة. لذلك سمح الله بسبي شعبه إسرائيل على أيدي الكلدان وآشور، وبعدها بسبي يهوذا إلى بابل بسبب كبرياء ملوك إسرائيل ويهوذا، حتى حزقيا ويوشيا الأتقياء، الذين لم تكن طاعتهم كاملة للرب.
لكن الله كان وما زال إله العهد والوعد، وهذا ما نقرأه في كتاب النبي زكريا، عندما وعد الله شعبه بالافتقاد والعودة والبركة، وحثَّهم بأن يرجعوا إليه من كل القلب لكي يبنوا الهيكل وأسوار أورشليم المهدومة.
تحققت وعود الله لشعبه بعد أن رجعوا من السبي البابلي، ومع أن الأقلية من الشعب المسبي هي التي رجعت، لكن الله حثَّ شعبه بقوة لبناء الهيكل وأسوار أورشليم على لسان عبيده الأنبياء: حجّي وزكريا وملاخي، وتشجيع عزرا ونحميا. عندها أطاع زربابل الوالي على يهوذا ويهوشع الكاهن صوت الله ودعوته لشعبه بتتميم مشيئته.
وهذا ما نقرأه في كتاب زكريا الأصحاح الأول:
هكذا قال رب الجنود:
"غرتُ على أورشليم وعلى صهيون غيرة عظيمة."
"قد رجعتُ إلى أورشليم بالمراحم، فبيتي يُبنى فيها، يقول رب الجنود."
"إن مدني تفيض بعد خيرًا، والرب يُعزّي صهيون بعد، ويختار بعد أورشليم."
ما أعظمها وما أمجدها من وعود، من الرب الإله لشعبه الذي عاد من السبي، لكي يفرح ويبتهج بأورشليم وبهيكلها، لتجديد الشركة والمحبة مع الإله الحقيقي خالق السماء والأرض، الذي أحب شعبه رغم الخيانة والبعد وكسر العهد، لكنه يبقى الله الأمين والصادق نحو شعبه.
نقرأ في كتاب زكريا الأصحاح التاسع عن نبوءة مجيدة أخرى، وهي دخول ملك أورشليم العادل والمنصور والوديع، راكبًا على حمار وعلى جحش ابن أتان، ويدعو ابنة صهيون بأن تبتهج جدًا، وبنت أورشليم أن تهتف لملك الملوك ورب الأرباب، يسوع المسيح ابن الله الحي، الإله السرمدي كلي القدرة والمجد والقوة.
لم يدخل يسوع المسيح أورشليم على حصان أبيض، رمز القوة والمجد البشري، بل دخلها على حمار وعلى جحش ابن أتان، كرمز للتواضع والوداعة، لكن في الوقت نفسه كرمز للقوة الحقيقية، كما نقرأ بأن يسوع ملك أورشليم هو أيضًا منصور. وعن أي نصرة وأي قوة نحن نتحدث؟
هل رفع السيف والبطش والقتل والتدمير؟ أم رفع راية السلام والمحبة لأولاده ولشعبه، بل إلى جميع الأمم والشعوب لكي يعرفوا ملك أورشليم يسوع مخلّصًا وسيدًا وربًّا على القلب والكيان؟
يسوع لم يرفع السيف ولا راية الحرب، بل رفع راية الصليب لجميع الأمم والشعوب، بل رُفع على الصليب آخذًا خطايانا في جسده، لكي يبرّرنا أمام الله الآب القدوس ويُدخلنا، ليس إلى أورشليم الأرضية، بل إلى أورشليم السماوية، حيث لا بكاء ولا نوح أو تنهُّد، بل فرح أبدي وابتهاج لأبناء صهيون. وليست فقط صهيون الأرضية التي كانت الحصن المنيع والتل المرتفع فوق أورشليم للملك داود، بل أبناء أورشليم السماوية، أبناء كنيسة الله الحي، لأنهم عرفوا ملكهم معرفة قلبية حقيقية، الملك يسوع المسيح، الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا وسفك دمه في أورشليم الأرضية، لكي نكون نحن أبناء أورشليم السماوية، ونعيش حياة غربتنا على الأرض كمخلّصنا وسيدنا يسوع المسيح الوديع والمتواضع والمنتصر، لكي ننتصر نحن اليوم وغدًا وبعد غد على الشر والخطية والموت، منتظرين رجوعه المبارك لنكون معه في أورشليم السماوية، بيت الآب، إلى الأبد. آمين.
