تُعتَبَر الأمانة أحد أهم مبادئ الحياة، إن كان في العلاقة بين الزوج والزوجة، أو الأهل مع الأبناء، أو علاقتنا في المدرسة، وأمانتنا في أماكن عملنا.
لكن هناك نوعًا من الأمانة يفوق كل اعتبار آخر، وهي أمانتنا مع الرب وخدمة ملكوته، لأن بها لا يتعلق فقط مجرى حياتنا اليومي في الخدمة والعلاقات، بل مصيرنا الأبدي!
نقرأ في كتاب صموئيل الثاني الأصحاح 23 عن أسماء الأبطال الذين لداود، الذي كان ملكًا حسب قلب الله، مع أنه أخطأ في قضية أوريا الحثّي بالقتل والزنى مع امرأته، لكنه انكسر وتواضع أمام الرب، والرب غفر له بسبب صدق توبته وإيمانه، وأمانته مع الرب حتى النهاية...
كان عند داود الكثير من الأبطال الذين رافقوه في وقت الشدة والاضطهاد ولم يتخلّوا عن ملكهم، بل كانوا أمناء معه حتى النهاية. وأحدهم كان شمّة بن أجي الهراري، الذي وقف في وسط قطعة حقل مملوءة عدسًا، وعندما هرب الشعب من أمام الفلسطينيين، ضرب شمّة الفلسطينيين وصنع الرب خلاصًا عظيمًا.
نقرأ أن الرب هو الذي صنع الخلاص العظيم وليس الإنسان. لم يكن شمّة بقدرته البشرية قادرًا أن يغلب الأعداء، لأنه لا بالقدرة ولا بالقوة، بل بروحي قال رب الجنود.
كان عند شمّة غيرة مقدسة في قلبه للرب ولحقل العدس، فهل نحمل نحن في قلوبنا وأفكارنا وكياننا غيرة مقدسة للرب يسوع المسيح وملكوته؟
هل عندنا نحن غيرة مقدسة ليس لحقل العدس، بل لأمور الرب الروحية، في خدمة ملكوته وشعبه؟
مع أن العدس لا يُعتَبَر من الأمور الثمينة، أو التي لها طعم وذوق مميز، لكنه مفيد جدًا للصحة الجسدية.
ونحن أيضًا، من الممكن أن يُستهان بقدراتنا وإيماننا، أو حتى انتمائنا الاجتماعي أو الروحي، لكن يجب علينا أن نضع ثقتنا بالرب يسوع الذي ابتدأ عملًا مباركًا في حياتنا وعائلاتنا، سوف يُتمِّم العمل إلى يوم مجيئه الثاني، ويهبنا المواهب الروحية لكي نُتمِّم العمل والخدمة التي أعطانا إياها، مثل الصلاة في الخفاء أو حتى كأس ماء بارد باسم المسيح، لا يضيع أجره!
نقرأ في كتاب التكوين عن حدث مُحزِن جدًا، عن الحديث الذي كان بين الأخوين يعقوب وعيسو، وكيف باع عيسو بكوريته ليعقوب فقط بطبيخ عدس!!!
هل نبيع نحن اليوم بكوريتنا ودعوتنا المُقدسة من الرب، على حساب صحن عدس فقط؟!
ممكن أن نقول إننا من المستحيل أن نتخلى عن إيماننا بالرب يسوع وانتمائنا لكنيسته المباركة، أو عن خدمتنا وأمانتنا في ملكوت الله، لكن هل قراراتنا اليومية أو مواقف حياتنا تُثبت أمانتنا للآب السماوي وابنه يسوع المسيح وكنيسته المحبوبة؟
هل لأجل أبسط الأسباب (حتى وإن كانت "أحيانًا" منطقية ومقبولة إلى حدٍ ما)، نترك نحن الإيمان الأقدس، أو ربما كنيستنا التي ننتمي إليها، والتي دعانا الرب لها وضمّنا إليها، وأن نلتصق بشركة الإخوة، وبأن نخضع من القلب لخدام الكنيسة؟
هل أحيانًا بسبب إهانة معينة أو سوء تفاهم مع "أحدهم" في الكنيسة، أترك الاجتماع كما لقوم عادة؟! كما حذرنا كاتب رسالة العبرانيين!
أو أحيانًا بسبب انشغالات الحياة وهمومها، أو محبة العالم وكل ما في العالم من شهوة جسد وشهوة عيون وتعظّم معيشة، قد خنق إيماننا وأطفأ شعلة الروح القدس في قلوبنا؟!
إنه وقت، إخوتي، يجب علينا أجمعين أن نرجع إلى الله الآب القدوس بتوبة حقيقية وبإيمان صادق، ونتَّخِذ لنا مثالًا صالحًا من إيمان وأمانة شمّة، الذي غارَ للرب "فقط" من أجل حقل العدس، فكم بالحري نحن يجب علينا أن نحمل في قلوبنا غيرة مقدسة للرب يسوع وملكوته وكنيسته، بل وكل الشعوب والأمم لكي تعلم وتُدرك أنه يوجد مُخلِّص واحد اسمه يسوع المسيح، وتوجد طريق ضيقة واحدة لا غير، التي هي درب آلام المسيح، الذي مات على صليب الجلجثة وقام منتصرًا في اليوم الثالث على الموت والخطية والشيطان.
صلاتي أن نرفض من كل القلب أسلوب حياة عيسو، الذي كان زانيًا ومُستبيحًا، الذي لأجل أكلة واحدة باع بكوريته، وبعد ذلك لما أراد أن يرث البركة رُفِضَ، إذ لم يجد للتوبة مكانًا، مع أنه طلبها بدموع!!! (رسالة العبرانيين 16:12).
لكننا نحن بنعمة الله كنيسة أبكار مكتوبين في السماوات، نأتي إلى الله ديّان الجميع فقط خلال يسوع وسيط العهد الجديد، خلال الدم الذي يتكلم أفضل من هابيل، لكي نكون أُمناء مع الرب يسوع وعروسته إلى يوم مجيئه الثاني، لأنه هو يسوع المسيح الذي كان وسوف يبقى وحده الأمين والصادق، له المجد والقوة والكرامة إلى الأبد، آمين.
