الصوم غير المقبول!!

الكتاب المقدس يعلم عن الصوم بطريقة مختلفة عما هو شائع ..الصوم هو وصية إلهية ينبغي ممارستها عربون إيماننا بالمسيح وتعبيرا عن امتناننا له...
20 مارس - 13:08 بتوقيت القدس

لا تخلو ديانة ولا عبادة من ممارسة الصوم كإحد دعائم العبادة ومتطلباتها. نعم، فنحن نٌمارس الصوم كأحد أركان العبادة الهامّة بغرض التقرُّب إلى الله وطلب مرضاته وهذا أمر جميل، ونتحدّث دوما عن الصوم المقبول وحسنا نفعل، لكن هل تُرانا فكّرنا مرّة واحدة في ما هو الصوم غير المقبول لدى الله؟!!
إليك بعض الأفكار...

الصوم غير المقبول لدى الله هو ذلك الصوم الذي تتفاخر وتتباهى به أمام الناس
يحرص الكثيرون على المُجاهرة أمام الآخرين بصومهم كدليل وبُرهان على برّهم وتقواهُم، لكن البرّ الحقيقي هو أن يعرف الله وحده قلوبنا ويُقرُّ أنّنا صائمين تقرُّبا له وطلبا لوجهه هو دون سواه من دون أي أحد آخر. إنّنا نجد الكثيرين من الناس يتفاخرون بصومهم ويذيعون خبره كي يقول الناس عنهُم إنّهم أبرار وصالحين، لكن الله يقول عن أولئك الناس إنّهُم قد استوفوا أجرهُم، بمعنى أن رصيدهُم من القبول والاستحسان أمام الله قد قلّ (أو تلاشى) نظير طلبهم للمدح والثناء والتقدير من الناس لا من الله! يُعلّمنا الوحي المُقدس قائلا:" ومتى صُمتم فلا تكونوا عابسين كالمُرائين، فإنهُم يُغيرون وجوههُم لكي يظهروا للناس صائمين! الحق أقول لكُم إنهُم قد استوفوا أجرهُم. وأما أنت فمتي صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك .... (أي قُم بما تقوم به يوميا عادة من عادات صحية سليمة بلا أي تغيير)...

لكي لا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في الخفاء (أي أمام الله تعالى الذي هو الآب السماويّ) فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يُجازيك علانية" (متى 6 : 16 ـ 18).
 
الصوم غير المقبول لدى الله هو الذي ليس غرضه التقرُّب لله بل تقف وراءه أغراض ودوافع شخصيّة أخرى قد لا تُمجد الله!

بعض الناس يصومون خوفا أو إرهابا من تعرضهم للأذى المادي أو المعنوي من أقرباءهم المتشددين أو من قادتهم وافراد اسرتهم والمحيطين بهم فتكون النتيجة أنهم يصومون خوفا من الناس لا حُبّا وتقرُّبا لله وهذا الصوم لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون مقبولا لدى الله بل يهينه إذ أنّ الفرد يخشى البشر ولا يخشى الله! كما أن الصوم يمكن أيضا أن يكون لدوافع شخصية أخرى؟ نعم، لقد قُلنا في النُقطة السابقة إنّ البعض يصومون ليُظهروا أنفُسهم للآخرين أنّهُم أبرار، وآخرون قد يصومون لأجل طلب ماديّ ليس بحسب مشيئة الله مثل أن يحصلوا على الغنى الكثير مثلا أو أن ينجحوا في الحصول على وظيفة ما (حتى وأن قد كانوا يسلكون طريقا غير شريف للحصول عليها!) وهكذا. إننا نتندّر أحيانا عن قصّة ذلك اللص الذي صلّى وصام كي يقف الله معه في عمليّته القادمة (السرقة!) وتمر بسلام من دون أن يُقبض عليه! وطبعا حاشا لله، ونحن (مع الاعتذار) في مرات كثيرة نعمل مثله. إننا لسنا ضد أن نُمارس الصوم والتضرُّع لله لأجل طلبة ما بعينها نطلُبها منه، فهذا هو أحد دوافع الصوم المقبول لدى الله، لكن بشرط أن نتفحّص ونتحرّى الدقّة بخصوص ما نطلبه، ونُراجع إن كانت هذه الطلبة موضوع صلواتنا وأصوامنا تتوافق مع بر الله ومطاليبه أم لا.    

الصوم غير المقبول لدى الله هو الصوم غير المصحوب بالتوبة والإقلاع عن الخطيّة
لا يقبل الله أبدا مبدأ البشر المُنادي:"ساعة لقلبك وساعة لربّك" بل إنّ الله يطلب الحياة كلّها بجملتها وإلاّ فلا! وبناء عليه فإنّ الله لا يقبل منّي صوما وأنا أحتفظ في حياتي بخطيّة أو بعادة ما لا يقبلها. يقول الوحي المُقدس:"إن راعيت إثما في قلبي لا يستمع ليّ الرب" (مزمور 66 : 18) التفت معي لما أيضا لما يقوله الوحي المُقدّس عن نموذج لصوم غير مقبول لدى الله وسبب ذلك وما هو الصوم المقبول لدى الله. تابع معي:
"يقولون لماذا صُمنا ولم تنظر. ذللنا أنفسنا ولم تُلاحظ.ها إنّكُم في يوم صومكم توجدون مسرّة وبكل اشغالكم تسخرون. ها إنُكُم للخصومة والنزاع تصومون ولتضربوا بلكمة الشر. لستُم تصومون كما اليوم لتسميع صوتكم في العلاء. أمثل هذا يكون صوم اختاره. يوما يُذلّل الإنسان فيه نفسه، يُحني كالأسلة رأسه ويفرش تحته مسحا ورمادا.هل تُسمي هذا صوما ويوما مقبولا للرب؟! أليس هذا صوما اختاره: حلُّ قيود الشر. فك عقد النير واطلاق المسحوقين أحرارا وقطع كل نير! أليس أن تكسر للجائع خبزك وأن تُدخل المساكين التائهين إلى بيتك. إذا رأيت عُريانا أن تكسوه وأن لا تتغاضى عن لحمك" (إشعياء 58 :3 ـ 7).

الصوم غير المقبول لدى الله هو الصوم غير المُقترن بالصلاة والوجود المُستمر في محضر الله
لا بُد أن يقترن الصوم بالصلاة ليُحقّق الغرض المرجو منه، وإلاّ لتحوّل الصوم إلى عبادة قد تفرّغت من مضمونها وهدفها، ولصار مُجرّد تدريب وإذلال للجسد. يسألني الله عندما أصوم لماذا أو ما هو الغرض من صومي، وإن كانت إجابتي هو للتقرُّب منه لمُجرّد التقرُّب أو لغرض ما مُعيّن، فكيف يُمكنني أن أعمل ذلك بحقّ إن لم يكن صومي مُقترنا دوما، ليس فقط بتوبتي وصُنعي لأعمال البرّ والصلاح، لكن أيضا بابتهالي وصلاتي وتضرُّعي إليه؟!!

الصوم غير المقبول لدى الله هو الصوم الذي يتحوّل لعادة موسميّة أو طقس مُتكرّر من دون روح الصلاة والصوم الحقيقيّين.

يصوم الناس كثيرا في أوقات ومواعيد مُحدّدة، مع أنّ كلمة الله لم تُشر من بعيد ولا من قريب لأمر مثل هذا إلاّ في حياة شعب الله في القديم الذي ارتبطت أصوامه بأعياد وتوقيتات بعينها. لكنّ العهد الجديد يُحرّرنا بل ويحذّرنا من أمر كهذا تماما، بل إنّ رسول المسيحيّة بولس يكتب لكنيسة غلاطيّة قائلا لهُم: "... أتحفظون أيّاما وشهورا وأوقاتا وسنين؟! أخاف عليكُم أن أكون قد تعبت فيكُم عبثا!" ويستطرد قائلا:" فاثبتوا إذا في الحرية التي قد حرّرنا بها المسيح ولا ترتبكوا أيضا بنير عبوديّة" (غلاطية 4 : 10 ، 11 ، 5 : 1).
إن الصوم إن هو اقترب أو قُدّم لله وفق مواسم وأوقات مُعيّنة، فإنّه يفقد معناه وقيمته، لكنّه على عكس ذلك، يظلُّ دوما هو الباب المفتوح للتقدُّم لله وطلب وجهه ومرضاته.

الصوم غير المقبول لدى الله هو الصوم الذي لا تكون معه الحياة منيرة وشاهدة!

إن قمّة الحياة التي تُمجّد الله أن تكون نسيجا واحدا ظاهرها كباطنها وخفيّها كمُعلنها، ولا بُدّ لي إن أردت أن يقبل الله صومي، أن يكون كل سعيي نحو أن تكون أمور حياتي كُلّها مُسلّمة ومُكرّسة له وتسير وفق إرادته ومشيئته. هذا هو الطريق الوحيد لصوم مقبول لدى الله. أمّا إن كانت حياتي لا تشهد لأمانة ومحبّة الله ونقاوته وقداسته، وإن كُنت لا أجتهد لأحفظ قلبي طاهرا، فلن يكون صومي مقبولا لدى الله. يقول الوحي المُقدّس:"... فليُضىء نوركم هكذا قُدّام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة ويُمجّدوا أباكُم الذي في السموات" (متى 5 : 16).

عزيزي القارىء، أصلي من كل قلبي لنفسي ولك ولكل الأحباء أن نتعلّم كيف نتقرب من الله بحقّ بالصوم والصلاة وأن نكره ما يكرهه الرب ونحب ما يحبه. وأصلي أن يفحص كل منّا قلبه أمام الرب ليتأكّد أنّ صومه وعبادته مقبولة أمام الرب، وإن كُنّا تحدثنا في هذا المقال عن الصوم غير المقبول أمام الله فإن حديثي معك في مقالتي القادمة إن أحيانا الرب وعشنا ستكون عن الصوم المقبول لدى الله، فحتّى ألقاك في مقالة العدد القادم لك مني كل حب وتقدير، والرب معك.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا