عندما ينفذ الرصيد......!!

في مناح متعددة وكثيرة من مناحي الحياة، ينطبق نفس ذلك النموذج، حول خطر فقدان الرصيد والتحدّي من انقطاع الخدمة!
10 يوليو - 10:58 بتوقيت القدس
عندما ينفذ الرصيد......!!

عزيزي القارئ،

في كل مناحي الحياة نحن نقابل ظروفا ومآسي قد تكون قد حدثت أو تحدث معنا، نحن أنفسنا أو مع بعض أحبائنا أو معارفنا أو أصدقائنا، تنطق لنا جميعا برسائل قوية ومباشرة علينا ألا نجهلها ولا أن نهملها أو نستهين بها، بل حري بنا أن نتعلم منها الدروس والعبر، ونعلمها لمن يهمنا أمرهم ممن حولنا، ولأولادنا، ولمن نحبهم، حتى يكون بمقدورنا أن نخفف عنهم أحمالا ثقيلة ونقيهم قسوة ومرارة ومتاعب لا نتمناها لهم جميعا. ومن تلك الأمور التي علينا أن نتعملها جيدا هي فكرة أو مسألة: الرصيد النافذ!

والفكرة سهلة وواضحة ومعروفة لنا الآن جليا، لا سيما بعد أن تجسّدت وتجسّمت أمامنا بطريقة مباشرة عندما انتشرت شركات المحمول، وببساطة، فنحن نعلم جميعا كيف أن شركات المحمول توقّع معنا عقودا، بأن نشحن أرصدتنا للاستفادة بمنافع ومزايا المحمول، برصيد مسبوق الدفع، لكن حتى ما تستمر الخدمة ونستمر في التمتع بالمزايا التي صارت لنا هامة وضرورية في مشوار حياتنا،  فإن علينا دوما أن نحرص على الأ نستهلك رصيدنا بسرعة أو بعدم حكمة أو بسوء استخدام، وإلا سنكون حتما من الخاسرين، خوفا من فقدانه وضياعه من دون لزوم،  كما انه يكون لزاما علينا أن ندرك جيدا أننا نخسر كثيرا في كل مرة نهدر نقودنا هباء من دون نفع أو جدوى، في استنزاف الرصيد فيما لا ينفع ولا يفيد! وعلينا دوما أن نتحذّر إن أتتنا هذه الرسالة المحذرة لنا دوما:

"لقد قارب رصيدك على النفاذ، يرجى إعادة شحن الرصيد وإلا ستتوقف الخدمة!"

وعلى أي حال فإن هذه الرسالة لا تتكرر كثيرا جدا ولا تعطي لنا وقتا طويلا للتجاوب، فشركة المحمول نفسها وإن كانت ستخسر بطريقة أو بأخرى شيئا من مكاسبها، في حالة عدم شحنك لرصيدك، إنما هو معلوم تماما أن أكثر الخاسرين مباشرة هو العميل نفسه وليس الشركة الكبيرة التي لديها مثل هذ العميل الآلاف والملايين غيره الذين يتعاملون معها ويضمنون تواجدها وأرباحها، فهي لن تتأثر بأي حال من ترك عميل أو أكثر لها أو توقفهم عن التعامل معها، بعكس العميل نفسه الذي تكون خسارته أكثر بكثير!

وهنا يبنغي عليّ أن أتوقف عن استخدام النموذج أو المثال الذي كنت قد استعرته لتقريب الفكرة لذهنك عزيزي القارىء لأستبدله بالصورة الحقيقية الواقعية التي أريد أن أشاركك بها، وأقول أخيرا قبل الدخول قدما في ما أريد أن أقوله، إن خسارة رصيد الموبيل لهو أخف هولا بكثير من فقدان أمور أغلى وأهم وأثمن وكثيرا ما لا يكون بمقدورنا تعويض خسارتها!

دعنا نذهب لنموذج العلاقات الإنسانية مثلا،  كنموذج حي وواقعي وملموس، وأنا أكتب اليوم وعيناي تكاد تنزف دموعا بل دما، على ما راه كل يوم من حولي، بحكم عملي في المشورة والرعاية، كيف أن بيوتنا وعلاقاتنا، سواء كنا مسيحيين مؤمنين أم لا، (وهذا ألم آخر!) أقول كيف إن الكثير من بيوتنا وعائلاتنا كم تحطمت أو كادت من جراء عدم التفاتنا لوقت طويل لمؤشرات وتحذيرات "نفاذ الرصيد" التي صارت تصلنا دوما من دون أن نعي أو ندرك، حتى يفوت الوقت وندرك متأخرا جدا أننا قد خسرنا وخسرنا كثيرا ربما ما لا يمكننا تعويضه، وما عاد بمقدورنا إعادة شحن أرصدتنا من جديد بالمزيد من المودة والرحمة والتواصل والدعم، وما صار علينا إلا أن نقبل صاغرين دفع الثمن الغالي المُر والمضي قدما نحو حياة جافة بائسة ويائسة،  كنا نحن السبب الأول والأكبر فيها بطريقة أو بأخرى، أو على الأقل شاركنا بجزء ليس بقليل فيها، والأدهى أننا نكمل في نفس المسيرة ملقين بتبعية ذلك على الشريك أو الطرف الآخر، مبررين أنفسنا وملقين بكل الحمل والمسؤولية على الطرف الآخر أو الشريك الآخر! إننا نجد مثل هذه الأمثلة في الكثير من مناح الحياة والعلاقات، في الأسرة بين الزوج والزوجة والأولاد، وفي العمل بين شركاء العمل، وفي الصداقات وفي العلاقات خارج وداخل الكنائس وفي المجتمعات والأعمال و ....

إن العلاقات الإنسانية هي علاقات حية مثل النبات ومثل الكائن الحي الذي يحتاج للماء والهواء والغذاء والنمو كي يكبر ويحيا وينمو وبزدهر، لكن إن خنقناه وضغطنا عليه وحرمناه من النور والصحة والقوة ومصادر الحياة والنمو والازدهار فإنه حتما سيموت ونكون نحن الخاسرين. والعلاقان البشرية والإنسانية أيضا هي علاقات مشتركة حية لا بد أن تتسم بالتبادلية والأخذ والعطاء وتقديم الطرف الأخر في العزة والكرامة والتضحية من أجله وعدم التعنت أو العناد و.... وكل هذه الأمور نحن غالبا لا نعملها بل نحن قي أحيان كثيرة نتسم بالأنانية والتصلف والتكبر والرغبة في الأخذ فقط من دون العطاء، وتغليب الذات بدلا من الأخر مما يدمر العلاقات ويجعل أرصدة الحب والعطاء أخذة في التناقص والتدني حتى تنتهي تماما وتمضي من دون رجعة! 

وتعال لنتحدث عن جانب آخر لا يقل أهمية بل ويزيد،  وأنا قد قصدت أن أبدأ السلم من أسفله لأعلاه، بأن أبدأ مقالتي من حيث نحن في الواقع الذي نعيشه، صعودا للنموذج الأعلى والأهم والذي له دور كبير في إصلاح هذا كله، وأرجو أن نثبت العيون جليا و دوما على صحة المبدأ الكتابي الهام والنافذ مع ـ أننا كثيرا ما لا نلتفت إليه في كل الأوقات والظروف والمتغيرات - ألا وهو:

 ما يزرعه الإنسان فإياه يحصد أيضا.

دعني الآن أتحدث عن العلاقة مع الله. وهي بالطبع أسمى وأعظم العلاقات قاطبة. نحن لا بد علينا أن نعترف إننا كثيرا ما لا نعرف الله ولا نقترب منه إلا في الضيقات والمُلمّات، وعند مواجهة الصعوبات والأزمات، لكننا لا نهتم بحق أن نؤسس معه علاقة متينة وقوية، ولا ندرك في أعماقنا أننا بحق نحتاج لله في كل وقت وفي كل أوان! وكثيرا ما تصرخ دواخلنا فينا  في عطش وظمأ حقيقي، أن اعرف الله واقترب منه والجأ إليه دوما، وإن جاز القول، كما سردنا في كل ما قلناه، اشحن رصيدك الروحي دوما وباستمرار وادّخر واكنز واستثمر فيه دوما لأنك من دون شك ستحتاجه دوما هنا وهناك  (أي في الأبدية)، ولن ينفعك شيئا سواه إن نفذ رصيدك فصرت عاجزا على الانتفاع منه. وطبعا العلاقة مع الله هي اروع واسمى وأعظم من أن نحدها في تعبيرات وتصويرات ونماذج كهذه، إنما أنا أردت فقط أن اوضح الحقيقة بصورة رمزية بسيطة ومفهومة لك عزيزي القارىء حتى يكون بمقدورك استيعابها والعمل بموجبها بسهولة ويسر، والقياس بالطبع مع الفارق فأرجو ألا تؤاخذني بهذا الصدد. 

أخيرا أقول لك صديقي القارئ،

ها أتت مقالتي لنهايتها، أرجوك ترفق بحالك وعد واقتن نفسك وعلاقاتك غنيمة لأنها ثمينة وغالية فلا تفقدها ولا تضيعها فلم تفت الفرصة بعد، ارجوك عد واشحن أرصدتك من جديد فلم يفتك الوقت بعد! ارجوك أن تفيق قد ينفذ الرصيد وينتهي، رصيد الحب واللفة أو رصيد العمر والزمن والأيام فقنقضي لفرصة من دوا أي أمل في العودة وتصحيح المسار! ارجوك اعرف واعترف بخطاياك واخطائك وتعدياتك تجاه الله وتجاه الأخرين وعد واصلح ما أنت أفسدته ولا اقول ما افسدته الأيام! أرجوك لم يفتك الوقت بعد، عد واشحن رصيدك من جديد مع ربك وإلهك ومع من حولك واصلح علاقاتك واملأها بالمحبة والتعاطف والمرونة والمسامحة والغفران، فتتمتع بحياة رائعة ومباركة هنا وفي الأبدية، والرب يباركك.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا