من اروع ما يمكن ان نتأمل به هو طفل رضيع في احضان امه، التي تعتني به بشكل مستمر وبمحبة فائقة واخلاص، هذه المحبة التي غرسها الله في قلب الام، من الممكن ان تُعَبِر لنا مدى محبة الله لخليقته.

الطفل بحاجة كاملة لعناية الام له، بكل احتياجاته الجسدية مثل الطعام والشراب، عناية الجسد، والتواصل بينهما يكون عادة بنظرات الحب المتبادلة، احيانًا الابتسامة والضحك، واحيانًا اخرى البكاء والصراخ الشديد غالبًا وقت الجوع، حتى في ساعات الليل المتأخرة والصباح الباكر!

لكن الطفل يكبر مع مر السنين، ينمو بالقامة، وليس دائمًا بالحكمة والنعمة، لا امام الله ولا الناس، ولا حتى مع والديه، بل من الممكن ان يصبح شاب مُتَمَرِّد على الاهل، يعارض ويقاوم بشدَّة نصائحهم وارشاداتهم.

لم يكن الامر هكذا مع ربنا يسوع المسيح، في ايام تجسده على الارض، ومع كونه القدوس البار، الله الابن الذي ظهر بالجسد، كان خاضعًا ليوسف ومريم امه، وهو الذي كان ينمو بالحكمة، القامة والنعمة امام الله والناس، كان وديعًا ومتواضعًا مع الجميع، خاضعًا ومتممًا للناموس، واعظم خضوع وطاعة تامة كانت للآب القدوس، وفي مسيرة حياته على الارض كانت على اساس شركة مقدسة وكاملة مع الله الآب القدوس، هذا ما كتبه يوحنا بان الله لم يره احد قط، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر. (يوحنا 18:1).

نعم الابن الوحيد، الذي مخارجه منذ الازل، الذي ليس له بداية ايام ولا نهاية، هو الذي كان في حضن الآب منذ الازل، وفي ايام تجسده كان ايضًا في حضن الآب بالروح، وهو من اعلن انه ليس احد صعد الى السماء الا الذي نزل من السماء، ابن الانسان (يسوع المسيح) الذي هو في السماء. كان يسير على الارض، يجول يصنع الخير للجميع، لكن قلبه وفكره كانا في السماء، بطاعة وخضوع تام لرب السماء والارض.

هو الذي كان في العالم، وكُوِّن العالم به، ولم يعرفه العالم، بل العالم رفضه ايضًا، اضطهده صلبه وقتله ايضًا، لكن هو كان في حضن الآب مع كل ذلك!

ماذا عنا نحن؟ هل نستريح نحن في حضن الآب القدوس، الآب الحنان الرحيم الطويل الروح الكثير الرحمة، الذي ما زال يدعوا الخطاة للتوبة والرجوع اليه من كل القلب، وما زال يدعو اولاده البعيدين عنه للرجوع الى بيت الآب، كما رجع الابن الضال الى بيت ابيه بل والى حضنه ايضًا، وكما قبله الاب بعد رجوعه اليه، فكم بالحري يقبلنا الآب السماوي لو كنا اشر الاشرار واكثر الخطاة، الى ملكوته ومشيئته وحضنه الدافئ؟

فقط في حضن الآب يمكن لنا ان نتمتع بالسلام والفرح الحقيقي، وان تملء محبته قلوبنا لكي نعيش حسب خطته ومشيئته لحياتنا وعائلاتنا، وهو الذي يضمن الخير والافضل لنا في قرارات حياتنا، هذا الحضن الذي يطرد خارجًا كل قلق وخوف من حياتنا.

يوحنا رسول المحبة كتب عن حضن الآب، لانه اختبر هذا الحضن بنفسه وقت العشاء الاخير، عندما كان مُتَّكِئًا في حضن يسوع، وهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه، ولان محبة يسوع معادلة لمحبة الآب لنا.

هل ادركنا بالروح محبة الآب القدوس وابنه يسوع المسيح لنا ؟ لنضع كل ثقتنا بهذه المحبة الالهية الفائقة المعرفة، ونستريح بهذا الحضن الدافئ الامين، الذي لا يمكن ان يطرد احدًا خارجًا، ولنحذر من "حضن دليلة" وان لا نرمي بأنفسنا بهذا الحضن الماكر الخدَّاع، الذي يريد ان يستنزف قوانا الروحية كما استنزف قوى شمشون واذله في النهاية ! (قضاة اصحاح 16).

حضن دليلة، هو حضن العالم، بعيدًا عن حضن ومشيئة ومحبة الآب، نجد فيه فقط شهوة الجسد، شهوة العيون وتعظم المعيشة، لكن في حضن الآب سوف نختبر السلام، الفرح والمحبة الحقيقية في ايامنا هنا على الارض، وفي النهاية نكون معه في بيت الآب الى ابد الآبدين، آمين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا