عطفًا على الكلام الاول في تأملنا بالفيروس الاشد فتكا و قتلا والذي هو اشد وافظع من فيروس "الكورونا" وهو "الخصام" وما ادراك من الخصام وما يفعله فانه يصنع "فتنة". لدينا مشهد من الكتاب المقدس نرى فيه "فتنة الخصام".

نقرا قصة في سفر الاعمال١٩: ٢٣-٤١، عندما نقرا هذه القصة ونرى انها تتكرر بشكل مشابه نعرف اسباب "فتنة الخصام " وهي:

أولا: المصالح المادية
كانت مصلحة رئيس المهنة ديمتريوس، ومن تحت يده يتربحون من صناعة اصنام الفضة التي يتعبد لها قطاع كبير من الناس. وكما تقول امثال الناس: "عض قلبي ولا تعض رغيفي"، و"قطع الاعناق ولا قطع الارزاق".

ثانيا: كاريزما الشغب
كيف استطاع ديمتريوس والصناع معه ان يجمعوا جمعا غفيرا هكذا فقد كانت لهم كرزما وقدرة على الشغب اذ نقرا وجعل الناس ممتلئين غضبا وثورة عارمة حتى كما قرأنا "امتلاءت المدينة كلها اضطرابا، واندفعوا بنفس واحدة الى المشهد" "كان البعض يصرخون بشئ والبعض بشئ اخر، لان المحفل كان مضطربا، واكثرهم لا يدرون لأي شئ كانوا قد اجتمعوا" "صار صوت واحد من الجميع صارخين نحو مدة ساعتين: "عظيمة هي أرطاميس الافسسيين!".

ثالثا: الوازع الديني
اكبر وازع عند الانسان هو الدين كما عبر احد المفكرين: "الانسان هو كائن متدين بفطرته، متعبد فهو يحتاج ان يتعبد لاله حتي وان كان إله مزيف" وهكذا كما قيل في هذه القصة "ان جميع اسيا والمسكونة تتعبد لارطاميس الالهة العظيمة والتمثال الذي هبط من زفس".

وهذه الثلاثة اسباب: المصالح المادية، كاريزما الشغب، الوازع الديني هم وقود نار فتنة الخصام.

وما تقوله لنا كلمة الله عن هذه الاسباب الثلاثة:

اولا: المصالح المادية

قال الرب يسوع المسيح له المجد:

"لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال". (مت ٦ : ٢٤)

كما يوصينا الرسول بولس بالوحي المقدس:

"وأما التقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمة.لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء.فإن كان لنا قوت وكسوة، فلنكتف بهما.وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء، فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة، تغرق الناس في العطب والهلاك.لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة." (١تيمو٦: ٦-١٠)

"وأطلب إليكم أيها الإخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات، خلافا للتعليم الذي تعلمتموه، وأعرضوا عنهم.لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم. وبالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء.لأن طاعتكم ذاعت إلى الجميع، فأفرح أنا بكم، وأريد أن تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر.وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعا. نعمة ربنا يسوع المسيح معكم. آمين." (رو١٦: ١٧-٢٠)

ثانيا: كاريزما الشغب

لنتحذر من كارزما الشغب فهي دائما تؤثر على الجهلاء، البسطاء، السذج، قلوب السلماء
خاصة الكتاب ذكر لنا في الايات اعلاه ان اصحاب المطامع يحاولون بالكلام الطيب، والاقوال الحسنة، اي بروح التملق والنفاق ان يخدعوا قلوب السلماء الطائعين لذلك يقول: "اريد ان تكونوا حكماء للخير وبسطاء للشر". والحكمة هنا هي حكمة التمييز الروحي كما وعدنا الرب:

"فتعودون وتميزون بين الصديق والشرير، بين من يعبد الله ومن لا يعبده." (ملا ٣ : ١٨)

اما ما يعمله الاشرار لاجل فتنة الخصام بوسائل تعبئة، تحريض، استغلال، خداع، تهديد، تسلط، شدة، وعنف فكلمة الله تقول لنا:

"هيجوا أيها الشعوب وانكسروا، وأصغي يا جميع أقاصي الأرض. احتزموا وانكسروا! احتزموا وانكسروا !تشاوروا مشورة فتبطل. تكلموا كلمة فلا تقوم، لأن الله معنا.فإنه هكذا قال لي الرب بشدة اليد، وأنذرني أن لا أسلك في طريق هذا الشعب قائلا:"لا تقولوا: فتنة لكل ما يقول له هذا الشعب فتنة، ولا تخافوا خوفه ولا ترهبوا.قدسوا رب الجنود فهو خوفكم وهو رهبتكم". (إش٨: ٩-١٣)

ثالثا: الوازع الديني

نتعلم من كلمة الله ان الشيطان المضل المجرب بالشر للجنس البشري انه يمكن ان يستخدم الوازع الديني لاجل تتميم واحكام ضلاله للبشر. فيظن ذلك الانسان انه متدين وانه لاجل دينه يضحي باغلي ما عنده. وفي حقيقة الامر يكون مثل هذا الانسان متدين زائف مثل القصة التي اقتبسناها اعلاه فقد كانوا يصرخون هاتفين: "عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين!" حتى ان الكاتب المسئول اذ اراد ان يسكن الشغب اتبع اسلوب المجاراه معهم ونصحهم:

"أيها الرجال الأفسسيون، من هو الإنسان الذي لا يعلم أن مدينة الأفسسيين متعبدة لأرطاميس الإلهة العظيمة والتمثال الذي هبط من زفس؟ فإذ كانت هذه الأشياء لا تقاوم، ينبغي أن تكونوا هادئين ولا تفعلوا شيئا اقتحاما"

مثال واقعي من اختبارات خدمتي عن ضلال الشيطان بسبب الوازع الديني:

شرفني الرب ان اسكن واخدم هنا في الاراضي المقدسة منذ اكثر من ثلاثين سنة.

وهنا تجد الكثير من الجماعات من كل العالم ذات التعاليم، الاراء، الافكار المتباينة حتى الغريبة. فكل منهم يريد له وطأة قدم خاصة في اورشليم القدس.

منذ عدة سنوات خلت اتصل بي احد الاصدقاء من خارج البلد.وشاركني بمشكلته وتجربته. هو مؤمن شيخ وقور صيدلي ميسور الحال وعنده ابن وحيد تركه الابن وسافر الى اورشليم القدس وصار يسكن ويخدم هناك. وابوه المسن يرسل دائما له المال الازم لمعيشته.

الاب والام العطوفين كانا يئنان ايما انين! وحزن على ابنهما الوحيد! وطلب مني الاب المساعدة اجتهدت ان انزل الى القدس (حيث انا اسكن بالجليل) ووجدت هذا الابن بعد بحث مكثت معه عدة ساعات علمت ان هذه المقابلة غير كافية دعوته ان يأتي الى بيتي اسبوع وهذا ما حدث.

نزل عندنا وخلال الاسبوع كانت معه حوارات، مباحثات، نقاشات، محاولات اقناع، تفسير آيات الكتاب المقدس من العهدين. هذا الشخص كان شخص ذكي يتكلم الانجليزية بطلاقة كما في وقت قصير تعلم اللغة العبرية، بل اللغة العبرية القديمة للعهد القديم وكان ذو كاريزما وكان موضوع دراساته النبؤات وتفصيلاتها والموضوع الذي شغف به هو "تجديد اورشليم " او "اورشليم الجديدة" وكان يكرر آيات من الكتاب مثل شعارات لمنهجه مثل:

اسألوا سلامة أورشليم: "ليسترح محبوك. (مز ١٢٢ : ٦)

"إن نسيتك يا أورشليم، تنسى يميني! ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك، إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي!" (مز١٣٧: ٥-٦)

"أورشليم مدينة الملك العظيم." (مت ٥ : ٣٥)

وكان الموضوع المسيطر على تفكيره واخذ شغف قلبه هو "تجديد اورشليم" او "اورشليم الجديدة" وملك المسيح العتيد، والقريب ان يستعلن في اورشليم. وانه هو لا يمكن ابدا ان يترك اورشليم حتى يصير له نصيب في الملك الاتي، ولان الرب دعاه ليكون واحد من خدام الملك العظيم!

انا حاولت عبثا ان اقنعه ان اورشليم الجديدة ليست من هذا العالم بل هي اورشليم السماوية (غلا٤ : ٢٦) وملك الرب هو ملك سماوي وليس في هذا الدهر او هذا الزمان بل في الدهر الاتي. واستشهدث بكثير من الايات مثل ايمان ابراهيم المكتوب عنه:

بالإيمان تغرب في أرض الموعد كأنها غريبة، ساكنا في خيام مع إسحاق ويعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه.لأنه كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئها الله. (عب١١: ٩-١٠). "لأن ليس لنا هنا مدينة باقية، لكننا نطلب العتيدة." (عب ١٣ : ١٤).

حاولت اقناعه بكافة السبل،ثم ذكرت له عن الوالدين وقد امر الرب باكرامهم كونه الابن الوحيد لكن عبثا (عنزة ولو طارت!!) استغربت مما قاله انه لا يمكن ابدا ان يترك اورشليم مدينة الملك العظيم. حتى وان مات من الجوع وحتى اذا تسكع ونام في الشوارع والازقة لانه يفضل "اورشليم" على كل فرحه عن الاب والام والعائلة والاصحاب!! صاحبنا صار يكرز ليس بانجيل المسيح للخلاص بل صار يكرز باورشليم الجديدة.

اخر الامر قلت له لنصلي!! صليت لاجله وهو ايضا صلى واستغربت انه صلي لاجلي وطلب في صلاته لاجلي ان يفتح الرب عيني وينزل في قلبي "محبة اورشليم" حتى اسمع النداء الالهي واقبل المشروع الالهي ليكون لي نصيب في الملك العتيد في اورشليم.

ذهب من عندي والامر الغريب ان هذا الشخص عنده كاريزما وعنده استشهاد بآيات كثيرة وتفاصيل من نبؤات الكتاب المقدس، وصار له تلاميذ (بسطاء) يصغون له وكل خدماته هي عن النبؤات وتحقيقها. علمت فيما بعد انه بدأ يعلن عن تحديد اوقات ومواعيد لعودة الرب والملك الاتي وعندما يناقشه احد بقول الرب: "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه، (أع ١ : ٧) كان يغضب ويعتبر ان من يكلمه انه جاهلا وليس عنده روح النبوة.

بل اكثر من ذلك صار يفسر تفسيرات غريبة فقال ان النبؤات لها عدة تحقيقات
فمثلا النبؤة القائلة: "وهكذا سيخلص جميع إسرائيل. كما هو مكتوب:"سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب." (رو ١١ : ٢٦) فسرها ان لها عدة تحقيقات فهي تحققت في المسيح وايضا في خادم المسيح المزود بموهبة وروح النبوة لتحقيق المشهد الاخير للاعداد لمجئ الرب. واعتبر نفسه هو هذا النبي والذي شجعه انه توجد اوساط روحية تستخدم القاب رسول ونبي على بعض خدامهم (مع انه يجب التمييز والتفريق بين رسل وانبياء الكتاب المقدس الذين هم آنية الوحي المقدس وقد استائمنهم الرب على كلمته ،وبين هؤلاء اليوم في الكنيسة الذين يدعونهم البعض رسل بمعني مرسلين او انبياء بمعني مصلحين او وعاظ ملهمين).

كما فسر صاحبنا نبؤة: "من مصر دعوت ابني". (مت ٢ : ١٥) ان لها عدة تحقيقات فهي تحققت في بني اسرائيل وخروجهم من مصر، وايضا تحققت في يسوع الطفل لذهابه وعودته من مصر. وايضا تتحقق فيه هو لكونه خادم المسيح، النبي الذي جاء من مصر.

علمت ان صاحبنا فيما بعد اصيب بلوثة في عقله. خاصة عندما لم تحقق النبؤات وكذبت المواعيد والاوقات التي حددها ولم ياتي المسيح ولم يعلن الملك. حاول ان يتهود فرفض، واخيرا وضعته الشرطة الاسرائيلية بسجن الرملة بسبب كسره الاقامة ورفضه الخروج من البلد.

تدخل والده ودفع مصاريف وغرامة واخرج من السجن ورحل على ان لا يدخل البلد مرة اخرى

لاحظوا معي كيف تدهور هذا الانسان من مؤمن وخادم وذو كاريزما الى ضال ومضل بل "شبه مجنون" كما عبر الكتاب: "جاءت أيام العقاب. جاءت أيام الجزاء. سيعرف إسرائيل. النبي أحمق. إنسان الروح مجنون من كثرة إثمك وكثرة الحقد". (هو ٩ : ٧)

صلاة: ايها الاب السماوي باسم وشفاعة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح احمينا من فتنة الخصام احفظ قلوبنا نحوك وكل منا يتضرع لك: قلبا نقيا اخلق في يا الله، وروحا مستقيما جدد في داخلي.لا تطرحني من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه مني.رد لي بهجة خلاصك، وبروح منتدبة اعضدني.فأعلم الأثمة طرقك، والخطاة إليك يرجعون. ولك ايها الاب المحب في ابنك المنعم وروحك القدوس وحدك كل اكرام وتعظيم وسجود كما كان منذ الازل الى الابد امين.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا