"كحزانى ونحن دائما فرحون" (2كورنثوس 6: 10)

جلست مرة وحدي متأمّلا محاولا أن أجد في الحزن جمالا فبدا لي ذلك الجمال واهنا ضعيفا، كجمال أشعة القمر تنبعث من بين أوراق شجر الغاب فتكوّن بركاً فضية على أرض الغاب هنا وهناك.
حاول الحزن أن يصعّد أنغامه في الفضاء فإذا بها موسيقى حزينة هامسة، وبدت في عينيه نظرات الخيبة واليأس من ذكرى أمل ضاع ولن يعود. يشعر الحزن مع الحزانى، فيحزن معهم، ويرثي لحالهم، ولكنه يعجز عن أن ينظر إلى الفرحين ويشاطرهم افراحهم.
والفرح! ما هي صورة الفرح؟ أو على الأقل ما هي صورة الفرح في مخيّلتي؟ بدا لي كمال النهار المشرق أيام الصيف الجميلة، بدا كأنه ممتلئاً بدفء الشمس وبهائها، وخطا خطوات منتصر قهّار، لم يعرف للهزيمة معنى ولم يذق للضيق طعما. وعندما حاول أن يصعّد أنغامه في الفضاء إذا بها تصدح عذوبة تملأ الفضاء وتبهج النفوس. ينظر الفرح إلى الفرحين حوله، ويشاطرهم أفراحهم أما مشاطرتهم أحزانهم فأمر مستحيل عليه.
ثم سمعت الحزن والفرح يتحاوران، فقال الثاني: "لا يمكننا الاندماج ولا نستطيع أن نحيا صديقين متحابين. سبيلي مشرق، تتفتح تحت أقدامي الأزهار، وتضحك الطبيعة فرحا لقدومي، وتتغنّى الطيور نشوى لرؤيتي". فأجاب الحزن: "أنت على حق يا اخي، لا نستطيع الاندماج. سبيلي مظلم ومسيري بين الغابات يحوّل الاشراق إلى قتام، وليس لي إلا أنغام الظلمة ووحشة الليل. فوداعا أيها الفرح وداعا".
وبينما هما يتحاوران، إذا بشخص يقف بينهما، فخرّا أمامه ساجدين، إذ عرفا فيه ملكا عظيما. فهمس حينئذ الحزن قائلا: "هذا هو ملك الفرح والسرور. التاج يتلألأ على رأسه، وما أثار المسامير والجراح في يديه ورجليه إلا رمز النصرة والغلبة، فيحق له أن يبتهج ويفرح ويطرب وأنا ألقي كل حزني عند قدميه لأمتلئ محبة ولأقدم نفسي وحياتي له مدى الأيام".
أما الفرح فأجاب قائلا: "أنا أرى فيه ملك الأحزان والأوجاع، أرى التاج على رأسه مضفورا من الشوك، وعلامات المسامير في يديه ورجليه رمز العذاب والآلام. وأنا أيضا أقدم له نفسي وحياتي مدى الأيام لأن الحزن بالقرب منه أفضل من كل الفرح الذي خبرته طيلة حياتي بعيدا عنه. إذا فنحن واحد فيه، إذ ليس سواه يوحّد بين الحزن والفرح". ثم أكملت تخيّلاتي وإذا بي أرى الفرح والحزن قد أمسك أحدهما بيد الآخر وسارا خلف الملك بوقار وبهجة ولسان حالهما يقول: "كحزانى ونحن دائما فرحون"".
الرب وحده سوف يقتادكم يا أخوتي إلى المراعي الخضراء. تمسّكوا بوعوده وتذكروا أنّ الله معك مترنمين بكلمات هذه الترنيمة كل يوم من جديد:


خذ بيدي وقدني كما تشاء         حتى أرى في ليلى نور السماء
يسوع سر أمامي فأتبعك           وحيثما تسر بي أنا معك

في الضعف قوّ عزمي برحمتك       فيستريح جسمي بنعمتك
كل اتكالي دوما ربي عليك         أبيت مطمئنا بين يديك

مهما يكن طريقي وسط الظلام    أنل بفضل ربي حسن الختام
خذ بيدي وقدني ربي الكريم        حتى يضيء حولي نور النعيم
 
لا جبل إلا ويتلوه وادٍ. لا طلعة إلا ومقابلها نزلة. لا حياة بلا آلام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا