لم يُصدِّق هذا المُعلَّق على الصليب, ولم يتوقّع أنّ المصلوب بجانبه هو ربّ الحياة , والذي مقاصير السماء بيده , أنّه الآتي الذي سيدين العالمين.

لم يُصدّق , وكيف يُصدّق , والمصلوب يئنُّ ويُهان ويُجلَد وهو صامت كشاة لم يفتحْ فاه.
وكيف يُصدّق , والصليب فقط للمُجرمين والخاطئين "الكبار", وها هو نفسه أكبر دليل , ألمْ يسرق وينهب ويقتل , ويصول ويجول في دنيا الخطيئة , ألمْ يُخدِّر ضميره سنوات طوال؟!! بلى
ولكنَّ المقاييس والموازين كثيرًا ما تختلف وتتحطّم , فهذا اللّص الثاني الذي عن اليمين , بهره الشّابّ المُعلّق في الوسط, فقد رأى فيه نورًا ما رآه من قبل , فهامت روحُهُ حوله , تُناجيه, وتشدُّه اليه...انّه لم يفعل خطيّة مثلنا , وبَّخَ صديقه, فنحن نستحق هذا العقاب , أمّا هذا فلم يأتِ بخطيئة , انّه مظلوم بريء, ليس في فمه غشٌّ.

وصمت وراح يدير عينيه في هذا الشابّ الجميل ...ما هذا البريق الذي يلمع في
عينيه؟ ما هذا السّناء الذي يُكلّل هامته؟ ما هذه القداسة التي تُكوْكِبُ على جبينه؟.

أهذا الذي صرخ مرةً ومرّات "أحبّوا أعداءكم , باركوا لاعنيكم " أهذا حقًا الذي أشبع الآلاف من عدة سمكات صغيرات ؟ أهذا هو الذي هدّأ العاصفة ومشى على الماء, أهذا الذي سارت خلفه قبل أيام أورشليم مترنمة ..اوصنّا في الأعالي مبارك الآتي باسم الربّ.

انّه هو , فقد رآه بأُم عينيه , رآه يشفي المُخلّع ...ورآه يقلب موائد الصيارفة ويطرد باعة الحمام ويصرخ " بيتي بيت صلاة يُدعى , وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ".

  ولكنه لم يتبعه , فقد كان يُخطّط في ذاك اليوم لسرقة كبيرة , لصفقة ...كان مشغولاً بمتاع الدّنيا .
ولكنه اليوم غير الأمس إنّ المصلوب الأوسط يستحوذ على تفكيره , انّه ليس بشرًا ..انّه اله!
إذاً ما المانع من أن يستغلّ الفرصة , -هو يعرف استغلال الفُرَص- انّه على رِمية حجر منه , فالملكوت ,هذه الكلمة الجميلة والتي تنقذه من الموت الحقيقي , تتحقّق بكلمة واحدة من فمه !!
ولم يتردّد , وبانكسار كبير , ونفْسٍ مُنسحقة , همَسَ : "أُذكرني يا ربّ متى جئْتَ في ملكوتِكَ ".
وبنظرةٍ حييّة , ملأى بالمحبة , مُفعَمة بالحنان , همس المصلوب الأزلي : "الحقَّ الحقّ أقول لكَ انّكَ اليومَ تكون معي في الفردوس ".

الفردوس , هذه الكلمة الجميلة , الهادئة  , المُلوّنة , "سرَقَها" اللّص ّ في اللحظة الأخيرة , وكانت أجمل "سرقة"!!!.

فتعالوا معي نأتي الى المصلوب , خاشعين , فَبِهِ ومنه ومعه الملكوت , وبدونه سنبقى خارج الحظيرة , وخارج الملكوت ...سنبقى في البرّية .

تعالوا الآن ولا تنتظروا فرصة أُخرى , وقد لا تأتي , انّه يقرع على الأبواب والقلوب , فافتحوا له .

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا