«تصلي الكنيسة المشيخية في العالم لأجلك»، يقول أمين سر الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة غراداي بارسونز في رسالته للرئيس بشار الأسد، و«لكل الذين يتطلّعون إليك لقيادة مسار الخروج من هذا الصراع المأساوي والمكلف»، تتابع الرسالة التي تنتهي بالتضرّع إلى الله أن يكون مع الرئيس السوري. الرسالة حملها قساوسة أميركيون وأوروبيون تعدّ زيارتهم لقصر المهاجرين أول خرق غربي علني للحصار.

بشار الاسد
الرئيس السوري بشار الأسد
صورة من الأرشيف

على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، كان الاتصال العلني المباشر مقطوعاً بين الحكومة السورية ومراكز النفوذ في الولايات المتحدة، بمختلف أشكاله الدبلوماسية أو الأمنية أو الإنسانية. فجأة، قبل بضعة أسابيع، بدأت ترد إلى بريد الكنيسة الإنجيلية في لبنان موافقة تلو أخرى من رجال دين مسيحيين يرغبون في تلبية دعوة السينودس الإنجيلي في لبنان وسوريا للمشاركة في «ملتقى الكنيسة في سوريا ولبنان».

وهكذا، حضر من الكنيسة الثانية من حيث الحجم (بعد الكنيسة المعمدانية)، والأولى من حيث النفوذ السياسي في الولايات المتحدة، عشرة رجال دين، انضم إليهم ممثلو الكنيسة نفسها في كل من بريطانيا وفرنسا وإيرلندا والسويد وسويسرا. التقى هؤلاء بنظرائهم اللبنانيين والسوريين في بيروت أولاً. طغت على الاجتماعات ثلاث قضايا رئيسية: أولاً، وجوب رفع معنويات أبناء الطائفة الإنجيلية في لبنان وسوريا وطمأنتهم إلى اهتمام «إخوتهم» في الدول الأخرى بأمرهم وصلاتهم لأجلهم وإعلامهم بأنهم ليسوا وحدهم. ثانياً، تحديد أبرز الاحتياجات الإنسانية للمتضررين من الحرب السورية الذين يمكن السينودوس في لبنان وسوريا أن يصل إليهم ويوفرها لهم. وثالثاً، تكوين صورة واضحة عن حقيقة الأزمة التي يشهدها هذا البلد ليتمكن القساوسة المشاركون من إعلام كنائسهم بما يحصل بعيداً عن التقارير الإعلامية. ومن يعرف نظام الكنائس المشيخية، يعلم أن علاقة رجل الدين، هنا، بكنيسته تتجاوز العظة الأسبوعية وساعة الصلاة الروتينية يوم الأحد، في ظل نفوذ واسع للكنيسة البروتستانتية سياسياً ومالياً في الولايات المتحدة.

لم يكن برنامج الاجتماعات يتضمن لقاءات مع مسؤولين رسميين، سواء في لبنان أو في سوريا، في ظل حرص الأمين العام للسينودس القس فادي داغر على النأي بطائفته، منذ بدء الأحداث، عن استفزاز المجموعات التكفيرية بحكم توزع أبنائها في مختلف المناطق السورية. ولكن وردت الى المجتمعين رسالة من أمين سر الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة غراداي بارسونز إلى الرئيس بشار الأسد، أهم ما ورد فيها:
«دعت الجمعية العمومية للكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة الى القيام بوساطة لوقف العنف من قبل كل الأطراف في سوريا. كما دعينا كل الجهات الخارجية الى وقف كلّ أشكال التدخّل في سوريا، وطالبنا بدور فاعل للأمم المتحدة. وناشدنا حكومتنا (الأميركية) عدم التدخل عسكرياً في الأزمة السورية».

ويشير بارسونز في رسالته إلى أن رئيس دائرة الشرق الاوسط في الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة، أمجد ببلاوي، الذي كان في عداد الوفد يمثله شخصياً. ويتابع: «وفيما ليس في استطاعتك التحدّث مع جميع أطراف الصراع، نناشدك بذل كل الجهود نيابة عن الشعب السوري للتوصل، من خلال التفاوض، الى حلّ يقود نحو مستقبل سالم يضمن حقوق كل فئات الشعب السوري». وإذ يؤكد بارسونز للأسد «أننا نصلّي» من أجل نجاح محادثات السلام في مؤتمر جنيف، يقول حرفياً: «ونصلّي لأجلك ولكل الذين يتطلّعون إليك لقيادة مسار الخروج من هذا الصراع المأساوي والمكلف»، قبل أن يختم رسالته بالقول: «ليكن الله معك».

وعليه، طلب الوفد، عبر السفير السوري في لبنان علي عبد الكريم علي، موعداً مع الرئيس السوري بشار الأسد لتسليمه الرسالة. فجاء الردّ بعد نحو ساعتين بتحديد موعد في اليوم التالي. وهكذا، عبر الوفد الإنجيلي ــــ الأميركي بغالبيته ــــ نقطة المصنع، حيث أحيط بمواكبة أمنية سورية رسمية رافقته في مختلف الأحياء الدمشقية التي زارها. وفي «القصر الجمهوري القديم»، كان الرئيس السوري في انتظار ضيوفه عند باب القاعة الضخمة التي شيّدها العثمانيون على الطراز المعماري الأوروبي.

بدأ الرئيس السوري اللقاء الرسمي، الذي استمر ساعة وربع ساعة وتلته ربع ساعة من الدردشات الجانبية، بالخطاب الرسميّ التقليدي عن تعطيل محاولات الإصلاح والمصالحات وضربها في مهدها. وكشف لهم أمثلة عدة عن الكذب الإعلامي والإعلاني، مستفيضاً في الشرح عن خطر الفكر الوهابي على الأقليات المذهبية. وأكد الأسد أن راهبات معلولا المخطوفات بخير، وأن المفاوضات التي يجريها أحد رجال الأعمال المقربين من النظام مع الخاطفين في شأنهن تتقدم، مشيراً، في المقابل، إلى عدم وجود أي معلومة أكيدة في ما يخص مطراني السريان والأرثوذكس المخطوفين. طرح الضيوف كل الأسئلة التي تدور في رؤوسهم. سألوا عن ترشحه عام 2014 إلى الرئاسة، فأجابهم بأن ذلك وارد جداً لسببين: أولاً، وجود رغبة شعبية. وثانياً، عدم وجود بديل مقنع. سألوا عن التناقض بين الدولة المدنية ومادة الدستور السوريّ التي تعتبر دين الدولة الإسلام، فقال إن مظاهر التطرف الديني في العامين الماضيين تحتم إعادة النظر في بنية الدولة المدنية لتمتين أسسها أكثر.

ودارت مداخلات أعضاء الوفد وأسئلتهم وردود الأسد عليها ضمن ثلاثة أبواب رئيسية: أولاً، حقوق الإنسان. وهنا سمعوا كلاماً واضحاً من الأسد عن وجوب تعزيزها أكثر بكثير في المرحلة المقبلة وحمايتها، لأنها لم تكن في أحسن أحوالها قبل بدء الأزمة. وتطرق إلى قضية اللاجئين السوريين إلى لبنان والأردن وتركيا، فأكد وجود معلومات لدى الأجهزة الأمنية السورية عن أن غالبية أبناء المهاجرين إلى هذه الدول ينضوون في المجموعات التكفيرية التي تدفع لهم أجوراً تتيح لهم مدّ أسرهم بإيجارات المنازل الباهظة في مناطق نزوحهم والمصروف اليوميّ، مستغرباً في السياق نفسه تفضيل هؤلاء ما يقاسونه في دول الجوار بدل تلبية دعوات دولتهم للعودة إلى بلدهم. ثانياً، وقف العنف. حيث كرر الأسد رؤيته لكيفية استعادة الاستقرار، عبر وقف تمويل المسلحين أولاً. وأشار إلى توقف دول عدة عن دعم المجموعات المسلحة، وتسلّمه رسالتين، من دولتين عربية وأوروبية، عن إرسالهما المتطرفين الإسلاميين من مدنهم إلى سوريا أملاً بأن يقوم الجيش السوري بقتلهم. وأبدى الأسد تفهمه لملاحظات الوفد بشأن إدانة كنيستهم للعنف ورفضه بكل أشكاله. ورداً على مداخلة لأحد الحاضرين عن النموذج السوري الآخر الذي سمع كثيراً عنه، قال الأسد إن «نموذج العيش المشترك هو النموذج الحقيقي»، لافتاً الى أنه رغم أن «ابن تيمية دمشقي، لكن المجتمع السوري لا يقبل الفكر الوهابي التكفيري الذي لا يهدد سوريا فقط بل كل دول المنطقة».

لم يلتقط الضيوف صورة مشتركة جامعة مع الرئيس السوري، بل مجرد صور ثنائية. طلب القس فادي داغر في ختام اللقاء من الرئيس السوري أن يصلوا جماعياً من أجل استقرار سوريا، فوافق، مشيراً إلى أنها المرة الأولى التي يطلب منه أمر مماثل. أغمض الحاضرون عيونهم وقوفاً، وردّد بعضهم خلف بعض صلاة سريعة تنتهي بالدعاء من أجل حماية سوريا وعودة الاستقرار إليها. وحين فتح الضيوف عيونهم كانت قد ازدادت اتساعاً. ودلت نقاشاتهم اللاحقة على اقتناعهم بارتياح الأسد نفسياً وأمنياً. وهم لاحظوا حماسة من التقوا بهم إثر عودتهم لسؤالهم عن انطباعاتهم ورأيهم، في سياق يوحي برغبة هؤلاء في رؤية تغيير في موقف الأميركيين من النظام السوري.

هي ليست عودة أميركية إلى سوريا، بالمعنى الدبلوماسي أو الأمني أو حتى السياسي للكلمة. لكنها خطوة أولى في سياق تعديل الخبر السوري الذي يصل إلى الولايات المتحدة الأميركية. لا يوازي نفوذ الكنيسة الأميركية، في الشكل أقله، نفوذ الكنيسة الروسية، ولا يؤثر، على غراره، في رسم الاستراتيجية الأميركية. لكن صداه يتردد وسط الرأي العام الذي يحسب أعضاء الكونغرس لأهوائه ألف حساب. ويعلم المطلعون على علاقة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالإدارات الأميركية المتعاقبة أن مفتاحها لم يكن إلا قساً دأب على توزيع وقته بين منزل كبير في واشنطن وكنيسة صغيرة في الشام القديمة.