شمال شرق سوريا: ترتيبات جديدة تُربك المسيحيين بين وعد الاستقرار وشبح عودة داعش

في مدنٍ اعتادت أن تعيش بين الخبر العاجل والهدوء المؤقت، يعود سؤالٌ ثقيل إلى الواجهة: هل ما يُطبخ من ترتيبات أمنية وسياسية سيمنح الناس فرصة حياة طبيعية، أم أنه يمهّد لفراغٍ يعيد الخوف إلى الشوارع ويُسرّع رحيل ما تبقّى من حضورٍ مسيحي؟
قبل 12 ساعة
شمال شرق سوريا: ترتيبات جديدة تُربك المسيحيين بين وعد الاستقرار وشبح عودة داعش
لينغا

يتقدّم القلق داخل الأوساط المسيحية في شمال شرق سوريا من خانة "الخوف المزمن" إلى سؤالٍ ملحّ: هل تفضي الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة إلى تثبيت الاستقرار، أم أنها تُنتج فراغًا يعيد فتح الباب أمام عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ويُسرّع نزيف الهجرة الذي فرّغ بلداتٍ وقرى من أبنائها؟

في الحسكة والقامشلي تبدو الحياة اليومية معلّقة بين "هدنة هشة" وقلقٍ من مرحلة انتقالية غير مضمونة. ما يُقلق الناس ليس تبدّل خطوط السيطرة فحسب، بل ما قد يتبع ذلك من ارتباك أمني يطال الشوارع والمؤسسات والخدمات—وهو ما يجعل كثيرين يقرؤون كل خبرٍ أمني بوصفه إنذارًا مبكرًا لما هو أسوأ.

العقدة الأكثر حساسية، كما تتابعها تقارير Catholic World Report ووكالات دولية مثل رويترز وأسوشيتد برس، تتمحور حول ملف السجون والمخيمات التي ترتبط بآلاف من عائلات ومقاتلي التنظيم، وعلى رأسها مخيم الهول. أي اختلال في الحراسة أو الإدارة هناك لا يُقرأ كحدثٍ عابر، بل كبيئة مثالية لإعادة إنتاج التطرف، وتهديد مباشر للأقليات التي دفعت أثمانًا باهظة خلال السنوات الماضية.

في الخلفية، تتردد دعوات دولية إلى منع أي "فراغ أمني" وضمان استمرار مكافحة التنظيم، بينما يظهر البعد الإنساني كعامل ضاغط: اضطراب خطوط الإمداد، وتعقّد وصول المساعدات، وتحوّل الأزمات المعيشية إلى محرّك هجرة لا يقل تأثيرًا عن صوت السلاح. بالنسبة للعائلات المسيحية، الانهيار البطيء للخدمات ليس خبرًا اقتصاديًا فقط، بل رسالة قاسية تقول إن البقاء صار مكلفًا أكثر من الاحتمال.

الخطاب الكنسي يحاول أن يمسك العصا من وسطها: التمسك بالسلام دون إنكار الخوف. يُنقل عن أنطوان عودو تشديده على المصالحة والحوار، لكن المزاج الشعبي يضيف طبقة واقعية: حتى إن لم تعد "داعش" كما كانت، فإن مجرد عودتها كخلايا نشطة يكفي لزرع الرعب وإعادة فتح حقائب السفر التي لم تُغلق أصلًا.

ولا يمكن فصل هذا القلق عن ذاكرة قاسية في منطقة نهر الخابور، حيث ما زالت آثار تهجيرٍ سابق وانكماشٍ ديموغرافي تُثقل أي حديث عن "استقرار قريب". في مجتمعات صغيرة أصلًا، يكفي اهتزاز واحد كي يتحول إلى موجة نزوح جديدة، وهذه المرّة قد تكون بلا عودة.

خلاصة ما يريده المسيحيون هناك يبدو بسيطًا ومؤلمًا في آن: وقف نارٍ مستقر، ضمان أمن فعلي لا شعارات، حماية للمدنيين والبنى التحتية، ومواطنة تُشعر الناس أن وجودهم ليس تفصيلًا مؤقتًا. وإلى أن تتضح ملامح المرحلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون الترتيبات القادمة مظلة أمان، أم محطة أخيرة قبل موجة رحيل جديدة؟

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا