الحضور المسيحي في الكنيست: بين الواقع السياسي وطموح الصوت الخاص

مع اقترابِ أيِّ انتخابات جديدة، يعود سؤال تمثيل المسيحيين في الكنيست إلى الواجهة، بين من يرى الحل في الاندماج الحزبي العام، ومن يدعو إلى صوت مسيحي واضح يضع قضاياهم في صدارة العمل البرلماني.
قبل 3 ساعات
الحضور المسيحي في الكنيست: بين الواقع السياسي وطموح الصوت الخاص
لينغا

يشكل المسيحيون في اسرائيل اقلية صغيرة من حيث العدد، اذ يقدر حضورهم بنحو 180 الف نسمة تقريبًا، غير ان تأثيرهم التاريخي والثقافي يفوق حجمهم الديموغرافي. فمن الجليل الى حيفا والقدس، حافظت العائلات المسيحية على حضور متواصل في مجالات التعليم والطب والقضاء والاقتصاد، ما جعلها عنصرا فاعلا في النسيج العام للدولة. لكن حين يتعلق الامر بالتمثيل البرلماني داخل الكنيست، تبدو الصورة اكثر تعقيدًا.

حتى اليوم، لم يدخل الكنيست حزب مسيحي مستقل، ولم يتشكل اطار سياسي طائفي خاص بالمسيحيين نجح في تجاوز نسبة الحسم. الوجود المسيحي داخل البرلمان تحقق عبر احزاب عامة، عربية او يهودية، لا عبر مشروع مسيحي مخصص يضع قضايا الكنائس والتعليم الكنسي والهجرة المسيحية في صلب برنامجه السياسي.

شهدت الحياة البرلمانية وصول شخصيات مسيحية الى الكنيست، من بينها عايدة توما سليمان، العضو في الكنيست عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. توما سليمان تعرف بنشاطها في قضايا المجتمع العربي عموما وحقوق المرأة والمساواة المدنية، وهي لا تقدم نفسها ممثلة خاصة عن المسيحيين، بل كنائبة ذات خطاب مدني وقومي عربي شامل. هذا النموذج يعكس واقعا اساسيا: الانتماء الديني للنائب لا يعني تلقائيا ان برنامجه السياسي يتناول الشأن المسيحي كأولوية مستقلة.

داخل المجتمع المسيحي نفسه، لا يوجد اجماع حول الطريق الانسب للتمثيل. فشريحة واسعة ترى ان المسيحيين جزء اصيل من المجتمع العربي في البلاد، وان العمل ضمن اطر عربية واسعة يمنح وزنًا سياسيًا اكبر ويعزز الشراكة المدنية. في المقابل، يعبر اخرون عن قلق من ان القضايا الخاصة بالمسيحيين، كاملاك الكنائس، وتمويل المدارس المسيحية، والهجرة المتزايدة، والاعتداءات على المقدسات، قد لا تحظى باولوية كافية ضمن اجندات سياسية اوسع تتعامل مع المجتمع العربي كوحدة واحدة.

هذا الجدل ليس صراعًا دينيًا، بل اختلاف في تعريف الوسيلة السياسية. هل تتحقق حماية الحضور المسيحي عبر الاندماج الكامل في خطاب قوميٍّ عام، ام عبر بلورة صوت مسيحي واضح المعالم داخل الحياة البرلمانية؟

في السنوات الماضية، برزت شخصيات حاولت طرح مقاربات مختلفة. شادي خلول قاد حملةً للاعتراف بالهوية الارامية، وهو ما اقرته وزارة الداخلية الاسرائيلية عام 2014 باتاحة تسجيل "ارامي" كقومية لبعض المسيحيين. كما دعا الى تشجيع انخراط المسيحيين في مؤسسات الدولة. اما جبرائيل نداف فكان من ابرز الداعين الى تجنيد الشباب المسيحي في الجيش الاسرائيلي، في خطوة اثارت نقاشا واسعا داخل المجتمع العربي والمسيحي على حد سواء. كلا التجربتين احدثتا صدى عاما، لكنهما لم تتحولا الى تمثيل برلماني فعلي.

اليوم، يبرز اسم إيهاب شليان، المقدم في الاحتياط، الذي اعلن رغبته في خوض الانتخابات عبر اطار حزبي قائم. شليان يطرح خطابا يؤكد الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، مع التشديد على ضرورة حماية الوجود المسيحي وتعزيز حضوره في المجال العام. وحتى الان، يبقى تحركه ضمن اطار حزبي اوسع، لا ضمن حزب مسيحي مستقل، لكن اعلانه يعيد الى الواجهة سؤال التمثيل المتخصص.

بين الطموح والواقع

المعطيات السياسية واضحة: العدد المحدود للمسيحيين، وتوزعهم الجغرافي في مدن مختلطة مثل الناصرة وحيفا ومناطق الجليل، وارتفاع نسبة الحسم، كلها عوامل تجعل من مشروع حزب مسيحي مستقل مهمة معقدة. في المقابل، يواصل كثيرون الانخراط ضمن احزاب قائمة، معتبرين ان التأثير الواقعي يتحقق من خلال اطر واسعة.

الصورة الصادقة اليوم هي ان الحضور المسيحي في الكنيست موجود، لكنه ليس تمثيلا طائفيا مستقلا. والمستقبل سيعتمد على قدرة المجتمع المسيحي على بلورة رؤية مشتركة توازن بين الخصوصية الدينية والمواطنة الكاملة داخل الدولة.

النقاش مستمر، والانتخابات المقبلة قد تكشف ما اذا كان الصوت المسيحي سيتحول الى مشروع سياسي واضح، ام سيبقى جزءا من فسيفساء الحياة الحزبية العامة في اسرائيل.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا

Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/lingaor/public_html/article.php:1) in /home/lingaor/public_html/comments_article.php on line 74
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.