بروكسل – فيينا | تتزايد في الأوساط الكنسية والبرلمانية الأوروبية الدعواتُ إلى إعادة تعيين مبعوث خاص للاتحاد الأوروبي لحرية الدين أو المعتقد خارج الاتحاد، بالتوازي مع مطالباتٍ بإنشاء منسّق أوروبي لمواجهة العداء للمسيحية داخل دول الاتحاد، وذلك عقب صدور تقرير يوثّق آلاف الحوادث المصنّفة كجرائم كراهية ضد المسيحيين خلال عام 2024.
ويستند الجدل المتجدد إلى تقرير “عدم التسامح والتمييز ضد المسيحيين في أوروبا” الصادر عن مرصد التعصب والتمييز ضد المسيحيين في أوروبا (OIDAC Europe) ومقرّه في فيينا، والذي أحصى 2,211 جريمة كراهية معادية للمسيحية في أوروبا خلال 2024. التقرير أشار أيضاً إلى ارتفاع الاعتداءات الشخصية إلى 274 حادثة، وإلى قفزة في هجمات الحرق المتعمد التي طالت كنائس ومواقع مسيحية لتصل إلى 94 حادثة (قرابة الضعف مقارنة بالعام السابق).
وبحسب التقرير، جاءت أعلى الأرقام المسجّلة في فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا والنمسا، بينما لفت معدّوه إلى أن الرقم الإجمالي هو نتيجة “تجميعٍ مُتقاطع” لبيانات الشرطة الرسمية وإحصاءات مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE/ODIHR) إضافةً إلى توثيق المرصد نفسه، مع التحذير من أن الفجوات في الإبلاغ الرسمي قد تُبقي جانباً من الظاهرة خارج الإحصاءات.
وفي تفصيلٍ لطبيعة الاعتداءات، يوضح عرضٌ للتقرير أن التخريب (كالكتابة على الجدران أو تشويه الرموز والممتلكات) يشكّل النسبة الأكبر من الحوادث، تليه حوادث الحرق وأعمال التدنيس ثم الاعتداءات الجسدية والتهديدات. كما يلفت التقرير إلى أن الاعتداءات على أماكن العبادة تبقى الأكثر شيوعاً، بما يضغط على شعور الأمان لدى جماعات مسيحية محلية ويؤثر على حضورها المجتمعي.
مطالب داخل البرلمان الأوروبي: “منسّق” لمواجهة العداء للمسيحية
في موازاة الأرقام، شهد البرلمان الأوروبي خلال إطلاق التقرير تحركاً سياسياً لافتاً؛ إذ تحدّث المرصد عن دعوات من نوابٍ أوروبيين إلى تعيين منسّق أوروبي لمكافحة جرائم الكراهية المعادية للمسيحية، على غرار مناصب تنسيقية أوروبية قائمة لمجالات أخرى من الكراهية والتمييز. وفي بيانٍ للمرصد حول الإطلاق، أكد نواب مشاركون أن الاعتداءات على المسيحيين “لا تحظى بالاهتمام الكافي” رغم “الأرقام المقلقة”، داعين إلى خطوات عملية على مستوى مؤسسات الاتحاد ودوله الأعضاء.
وتتقاطع هذه المطالب مع ما يورده موقع “الإنترغروب” المعنيّ بحرية الدين أو المعتقد داخل البرلمان الأوروبي، الذي نشر سابقاً نداءات لتعيين آليات أوروبية أشد وضوحاً لمعالجة الاعتداءات والتمييز ضد المسيحيين، إلى جانب إعادة تفعيل منصب “المبعوث الخاص”.
الكنيسة الكاثوليكية في الاتحاد الأوروبي: “أعيدوا تعيين المبعوث… وبصلاحيات وموارد”
من جهتها، دعت لجنة أساقفة الاتحاد الأوروبي (COMECE) في بيان رسمي بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى تعيين مبعوث خاص لحرية الدين أو المعتقد خارج الاتحاد الأوروبي “من دون تأخير”، معتبرةً أن المنصب “لا يزال غائباً” رغم الحاجة إليه في ظل ارتفاع التمييز والاضطهاد الديني عالمياً، كما شددت على ضرورة تزويد المنصب بتفويض قوي وموارد بشرية ومالية كافية لضمان الفاعلية. وفي البيان نفسه أعادت COMECE التأكيد على دعوتها لتعيين منسق أوروبي لمواجهة العداء للمسيحية داخل الاتحاد.
لماذا يتكرر الحديث عن “المبعوث الخاص”؟ خلفية المنصب وشغوره
وفق ما أورده تقرير وكالة الأنباء الكاثوليكية، فإن منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي لحرية الدين أو المعتقد خارج الاتحاد أُنشئ عام 2016، وشهد فترات شغور متكررة. وأشار التقرير إلى أن الدبلوماسي البلجيكي فرانس فان داله عُيّن في ديسمبر/كانون الأول 2022، لكن ولايته انتهت من دون إعلان بديل حتى تاريخ نشر التقرير.
وفي تقييمٍ حديث مطلع يناير/كانون الثاني 2026، قالت منظمة Human Rights Without Frontiers إن المنصب لا يزال شاغراً بعد انتهاء ولاية المبعوث السابق، منتقدةً غياب الشفافية في آلية الاختيار وعدم طرح دعوة عامة للترشح.
تحذير موازٍ: “لا تُستعمل حرية الدين لتبرير التمييز”
وبينما تتزايد المطالبات بتجديد المنصب، برز أيضاً موقف آخر داخل البرلمان الأوروبي يحذّر من أن ولاية المبعوث المقبل يجب أن تُمارس ضمن إطار شمولية حقوق الإنسان. فقد نقلت “Humanists International” عن مجموعة من 18 نائباً أوروبياً دعوتهم المفوضية الأوروبية إلى ضمان ألّا يُساء استخدام التفويض بما يضرّ بحقوق فئات أخرى، مع المطالبة بمزيد من الشفافية في الاختيار ومعايير واضحة للترشيح.
ما الذي تقترحه التقارير عملياً؟
إلى جانب التعيينات السياسية، يدعو تقرير OIDAC إلى تحسين جمع البيانات وتوحيدها، وتشجيع الإبلاغ عن الحوادث، وتطوير استجابةٍ أمنية ومجتمعية تحمي أماكن العبادة وتُطمئن الجماعات المحلية، مع التشديد على أن الأرقام المعلَنة لا تعكس دائماً الحجم الحقيقي بسبب نقص الإبلاغ أو اختلاف طرق التصنيف بين الدول.
