(٢) لاهوت التجلي الإلهي في شخص المسيح

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

كما تلعمنا في المقال السابق، "هل المسيح إنسان؟ أم إله؟"، إن الله واحد مُثلث الأقانيم، الآب والابن والروح القدس. الآب هو الله، الابن هو الله، والروح القدس هو الله. دور الآب يختلف عن دور الابن والروح القدس، لكن الله واحد. إن أحد أدوار أقنوم الابن في الثالوث، هو أن يكون الوجه الإلهي المرئي للبشر؛ فهو الإعلان الكامل للذات الإلهية، حيث أن الآب لا يُرى، وكذلك الروح القدس. وكما تعلمنا من الإنسان المثلث الأقانيم، كيف أن النفس لا تُرى والروح لا يرى، لكن الجسد هو التعبير المرئي عنهما؛ كذلك أقنوم الابن، فهو الذي ظهر مرارًا وتكرارًا في العهد القديم للكثير من الأنبياء ليعلن عن شخص الله. لكنه لم يظهر في القديم بجسد بشري من لحم ودم مثلنا، بل في جسد سماوي على صورة البشر أحيانًا. أما عندما جاء ملء الزمان، وبحسب تخطيط الآب المُسبق، قبل كل الدهور، تجلى أقنوم الابن في شخص بشري مثلنا، لكن بلا خطية، بولادته من أحشاء القديسة العذراء مريم، ليُخَلِّص البشر من هلاكهم ويُرجعهم إلى أحضانه الأبدية.

عندما ندرس عن التجلي الإلهي لأقنوم الله الابن في شخص المسيح، نحتاج أن ندرس نص مفتاحي، يتكلم عنه، وهو النص الآتي:
" 6 الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. 7 لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. 8 وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ." فيلبي ٢.

سياق النص:

إن سياق هذا الأصحاح هو أن بولس يحث المؤمنين بأن يكونوا واحد، ويتنازل كل واحد منهم عن حقوقه في سبيل بناء الجسد ورفع الأخوة (١-٤)، بعدها يقدم لهم مثال المسيح، ويحثهم على أن يكون فكرهم كفكره (٥)؛ الذي بالرغم من أنه معادلاً لله الآب في لاهوته، وله كل الأمجاد السماوية؛ "لكنه أخلى نفسه"، أي تنازل عن حقه من جهة مكانته، وأخذ صورة إنسان (٦-٧). وليس ذلك فقط، بل وضع نفسه أقل من البشر، وأطاع الآب كإنسان، حتى موت الصليب؛ لكي يتمم لنا الخلاص والحياة (٨). كذلك بولس وهو متمثلاً بالمسيح، قدم في الأصحاح الثالث من فيلبي، كيف تنازل عن جميع امتيازاته البشرية، وحسبها نفاية من أجل فضل معرفة المسيح، وإيجاد نفسه الضائعة فيه، لبناء كنيسته (فيلبي ٣: ٥-٩). وأيضًا في مرات عديدة، تنازل عن سلطانه كرسول، لكي لا يخلق تشويش في الكنيسة يعيق الملكوت والرسالة (١ كورنثوس ٩: ١٢)، وتنازل عن حقوقه كمواطن في الدولة الرومانية، وقَبِلَ أن يُعامل كمواطن من الدرجة الثانية ويذل ويهان في الأسر، في سبيل تحقيق رسالة الله لامتداد ملكوته (أعمال ٢٠: ٢٢-٢٤ و٢٦: ٣١-٣٢).

تفسير النص:

"الذي إذ كان في صورة الله":
المقصود به في النص هو المسيح؛ والنص باليونانية يعني "الكائن في صورة الله". أي أنه أزلي الكون في صورة الله، كالإظهار والإعلان المرئي للذات الإلهية؛ والقدرة والعمل الإلهي.
كما يعبر الوحي عنه في كولوسي ١: “15 اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. 16 فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ."

"لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله":
كلمة "خلسة" تعني السرقة بخفة وخفية؛ أي أن أقنوم الابن الكائن في صورة الله، لم يحسب معادلته لله الآب بالطبيعة الإلهية، أمر يحتاج أن يختلسه، لأنه واقعٌ هو كائنٌ به، وهو بالحقيقة معادلاً لله الآب بالطبيعة (ليس بالأدوار، كما تكلمنا في المقال السابق).

"لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ":
ربما هذه هي أهم عبارة في النص يجب أن نركز عليها بخصوص التجسد، وتعني أنه تنازل عن دوره المعادل للآب إلى حين؛ لكن تنازله عن دوره الإلهي كأقنوم الابن:
١- لا يعني أنه عزل عنه لاهوته، بمعنى أنه فقد قدراته الإلهية؛ أو ظل إقنوم الله الابن في السماء.
٢- ولا يعني أنه ظهر كأنه إنسان، لكنه كان الله ولم يكن إنسان جاء بالجسد؛ ولا يعني أنه قام بالتمثيل للبشر أنه إنسان، لكنه كان فقط الله الابن.
بل تعني أنه جاء في جسد بشري مثلنا، لكن بلا خطية؛ وخضع لجميع قوانين البشر. وخضوعه لجميع قوانين البشر يعني أن الله الآب كان إلهه كإنسان؛ كان يجب أن يصلي للآب، لكي يتمم خطة الآب كإنسان. فلم يكن يمثل أنه يصلي، كنه كان يصلي فعلاً، بحسب قوانين البشر، لكي تنجح خدمته. كان ينمو في الحكمة والقامة النعمة كإنسان، متكل على قدرات الله الآب. لقد عمل جميع معجزاته بقوة الآب الحال في المسيح، كإنسان. من الخطأ الشائع الذي يظنه الكثير من المؤمنين هو أن معجزات المسيح كانت البرهان على أنه الله. هذا غير صحيح، لأن المسيح أخلى نفسه من سلطانه الإلهي، وخضع لقوانين البشر، فجميع معجزاته عملها بقوة وسلطان الآب الحال في المسيح. وعلى رأسها إقامة لعازر من الأموات، قبلها قال يسوع هذه الكلمات في يوحنا ١١:
" 39 قَالَ يَسُوعُ: «ارْفَعُوا الْحَجَرَ»... 41 فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعاً وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي 42 وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي»."
وقال أيضًا للتلاميذ في يوحنا ١٤:
" ١٠... الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ... 12 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي."

لذلك نرى من خلال الكتاب المقدس أن المسيح ليس الوحيد الذي صنع معجزات، فالكثير من الأنبياء صنعوا معجزات، وأقاموا موتى كإيليا وأليشع، وبينهم من صنع معجزات يرى البعض أنها أعظم من إقامة موتى، كإيقاف الشمس عن طريق يشوع أو شق البحر عن طريق موسى. لكن نتعلم من النصوص أيضًا، أن المسيح صنع معجزات لم يصنعها أحد من قبله، كفتح أعين العمي، وإطلاق أسرى الشيطان أحرار (بحسب نبوات أشعياء ٤٢: ٧)؛ أيضًا لم نر نبي عمل هذا الكم من المعجزات كالمسيح (يوحنا ١٢: ٣٧). والسبب في هذا، هو أنه كان أقدس وأنقى إنسان عاش على هذه الأرض؛ لذلك مسحه الله أكثر من جميع رفقائه الأنبياء (مزمور ٤٥: ٧ وعبرانيين ١: ٨-٩).

أما الذي يبرز أن المسيح هو الله، فهو إعلاناته الإلهية عن ذاته، التي ذكرنا البعض منها في المقال السابق، وليس معجزاته (إعلانه على أنه الله، لا يعني أنه استخدم سلطانه الإلهي).

أي أن جميع النقاد الذين يرفضون حقيقة لاهوت المسيح، يستندون على جانب واحد فقط من النصوص، وهو الجانب الذي يبرز أن المسيح كان إنسان، وبالتالي يستنتجون منه أنه كان فقط إنسان وليس الله. إن الجانب البشري للمسيح صحيح، نراه بوضوح من خلال النصوص، أن المسيح كان إنسان تمامًا مثل البشر، خاضع لكل قوانين البشر. لكن نرى من النصوص أيضًا جانبًا أخرًا لا يتعارض من إنسانية المسيح؛ وهو أن المسيح كان أيضًا الله الظاهر في الجسد، وذلك بحسب ما أعلن لنا عن ذاته. أعلن عن ألوهيته، لكن لم يستخدمها لحياته الخاصة؛ ومنها نعلم أنه الله، وليس من خلال المعجزات.

في المقال القادم، سنناقش قضية، هل يوجد تعارض من بين كون المسيح إنسان والله، في نفس الوقت؟

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
من خلال دراستي لكثير من النقاد الذين يرفضون فكرة أن الله تجلى في شخص المسيح، ومن أشهرهم في القرن الماضي كان أحمد ديدات، وجدت أن ٩٩٪ من نقدهم مبني على فلسفة واحدة بسيطة: إثبات أن
إن المعترضين يثيرون قضية هامة للجدل في ادعائهم، بأنه يوجد تعارض ما بين كون المسيح إنسان وألله في نفس الوقت. يوجد في طبيعة كل إنسان شخصيات متعددة؛ فممكن أن يكون إنسان ملك، غني، أب، في
إن الإيمان المسيحي بتجلي الله في شخص المسيح، هو ليس بأمرٍ جديد على طبيعة الله في الكتاب المقدس. سنرى من خلال هذا المقال ظهور الله في العهد القديم، منذ أكثر من ألفي عام، من تجليه
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader