دخول شعب إسرائيل إلى أرض كنعان - ٥ - يختلف عن أي فتح ديني

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

سننهي هذه السلسلة بتقديم تلخيصًا عامًا لبعض الاختلافات الصارخة، ما بين دخول شعب إسرائيل لأرض كنعان، وأي فتح ديني آخر عرفه التاريخ على مر العصور.

كما رأينا في المقالات السابقة، عادة معظم النُقَّاد ليست عندهم أي مشكلة مع الله الذي أنزل قضاءً على الأرض بالطوفان، أو على سدوم وعمورة، أو على مصر، لكن الصعوبة كما قلنا، في عملية دخول شعب إسرائيل لأرض كنعان، كانت أنه استخدم شعبه لإجراء ذلك القضاء. مما يقود البعض منهم لتشريع فتوحات دينية أخرى حدثت، بأن الله كان وراءها؛ وهذا يقودنا إلي الاختلاف الأول:

١- الله هو العامل وليس الشعب:

كما قلنا في المقال الثاني، إن دخول شعب إسرائيل للأرض يختلف عن باقي الفتوحات الدينية، من حيث أن الله يُظهر أنه على رأس تلك العملية بطريقة لا تقبل الشك، وذلك عن طريق معجزات كبيرة وهائلة، ليست أمام شعبه فقط، بل أمام باقي شعوب الأرض أيضًا. نرى ذلك مثلاً في قول راحاب للجاسوسين:

" ٩ وَقَالَتْ: «عَلِمْتُ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الأَرْضَ, وَأَنَّ رُعْبَكُمْ قَدْ وَقَعَ عَلَيْنَا, وَأَنَّ جَمِيعَ سُكَّانِ الأَرْضِ ذَابُوا مِنْ أَجْلِكُمْ, 10 لأَنَّنَا قَدْ سَمِعْنَا كَيْفَ يَبَّسَ الرَّبُّ مِيَاهَ بَحْرِ سُوفَ قُدَّامَكُمْ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ..." يشوع ٢.

وأيضًا قبيل دخول الأرض قد شق الرب مياه نهر الأردن ليعيد المعجزة ويؤكد لباقي الشعوب أنه هو المبادر في تلك العملية (يشوع ٤: ١٠-١٣)؛ وعجيبة إيقاف الشمس، استجابةً لصلاة يشوع (يشوع ١٠: ١٢-١٤). وحتى عندما قرر الله أن يوقف عملية طرد باقي الشعوب من الأرض، بسبب عدم استجابة الشعب لوصايا الله. قد بين الله هذا أيضًا بصورة لا تقبل الشك، حيث ظهر ملاك الرب لجميع الشعب وكلمهم جميعًا بأنهم لم يسمعوا وصاياه، لذلك لن يطرد شعوب الأرض من أمامهم بعد، وسيكونوا معهم على الأرض كل الأيام مضايقين (قضاة ٢: ١-٥).

٢- التاكيد للعشب أن الله اختار القائد:

وهذه النقطة مرتبطة بالأولى وهي أن الله عمل معجزات على يد القائد لكي يؤكد للعشب أنه مختارٌ مِنَ الله وليس بادعائه الخاص. فلم يأتي يشوع بادعاء أن الله امره أن يقاتل الكافرين، دون أي معجزة أو دليل على هذا؛ أمام شعبه وأمام باقي الشعوب أيضًا (راجع تعريف المعجزة في المقال الثاني).

٣- الله تعامل مع شعبه بنفس المعايير:

لقد رأينا كيف أن الله عادل، ولم يتعامل مع الشعوب الأخرى بمعايير مزدوجة، بل بمعايير متناسبة لإله عادل قدوس. رأينا كيف أنزل الله قضائه لشعبه عندما أخطأ، كما أنزله على شعوب كنعان (راجع المقال الأول والثالث). وأيضًا حذر الله شعبه، بأنه هو أيضًا سيُطرد من الأرض إذا أخطأ (تثنية ٢٨: ١٥-٦٨؛ خاصةً آآ ٢٤-٢٥ و٦٣-٦٤ وأيضًا تثنية ٣٠: ١٧-١٨).

٤- لم تكن دعوة لفتح أراضي في سبيل الله:

لقد دعى الله الشعب ليدخوا أرض مُحدَّدة، حددها لهم بدقة. والهدف كان دينونة تلك الشعوب، وولادة شعب الرب ليكونوا شعب مقدس وبركة لباقي الشعوب. فلم يَدْعُهُم الله لفتح بلدان بلا حدود، وكأنه ناصرهم على الحق والباطل. إن هذا واضح من النصوص، على سبيل المثال:

" ٤ وَأَوْصِ الشَّعْبَ قَائِلاً: أَنْتُمْ مَارُّونَ بِتُخُمِ إِخْوَتِكُمْ بَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سَعِيرَ فَيَخَافُونَ مِنْكُمْ. فَاحْتَرِزُوا جِدّاً. 5 لا تَهْجِمُوا عَليْهِمْ. لأَنِّي لا أُعْطِيكُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ وَلا وَطْأَةَ قَدَمٍ لأَنِّي لِعِيسُو قَدْ أَعْطَيْتُ جَبَل سَعِيرَ مِيرَاثاً." يشوع ٢.
كذلك دعاهم أن لا يزعجوا شعب موآب لأنه لم يعطيكم أرضهم (٩)؛ كذلك العمونيين (١٦-١٩).

٥- المبدأ عام، واستخدمه الله مع باقي الشعوب:

إن مبدأ استبدال الله لشعب من أرض وإعطائها لشعب آخر، هو مبدأ استخدمه الله مع باقي الشعوب كما استخدمه الله مع شعبه تمامًا. فالله استبدل الرفائيين بالعمونيين؛ وبعدها استبدل العمونيين ببني لوط. أيضًا استبدل الحوريين ببني عيسو. ولكي لا يظن القارئ أن الله كأنه "غاوَزَ" مع بني لوط وعيسو، لأنهم ذوو قرابة لإبراهيم، قال أيضًا بعدها أنه استبدل العويين بالكفتوريين (أي بالفلسطينيين، إرميا ٤٧: ٤ وعاموس ٩: ٧ ؛ وهم كانوا أعداء لشعب الرب):

" 19 فَمَتَى قَرُبْتَ إِلى تُجَاهِ بَنِي عَمُّونَ لا تُعَادِهِمْ وَلا تَهْجِمُوا عَليْهِمْ لأَنِّي لا أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ مِيرَاثاً - لأَنِّي لِبَنِي لُوطٍ قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِيرَاثاً. 20 (هِيَ أَيْضاً تُحْسَبُ أَرْضَ رَفَائِيِّينَ. سَكَنَ الرَّفَائِيُّونَ فِيهَا قَبْلاً لكِنَّ العَمُّونِيِّينَ يَدْعُونَهُمْ زَمْزُمِيِّينَ. 21 شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالعَنَاقِيِّينَ أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ. 22 كَمَا فَعَل لِبَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سَعِيرَ الذِينَ أَتْلفَ الحُورِيِّينَ مِنْ قُدَّامِهِمْ فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ إِلى هَذَا اليَوْمِ. 23 وَالعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي القُرَى إِلى غَزَّةَ أَبَادَهُمُ الكَفْتُورِيُّونَ الذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ)." تثنية ٢.

والمهم في الأمر هو أن الله أعلن هذا في كلمته، أنه استخدم نفس المبدأ مع شعوب أخرى، ولم يترك الإنسان والشعوب بدون أي إعلان إلهي واضح لهم عما يحدث على الأرض، ولماذا.

٦- لم تكُن دعوة الله للزنى وسبي النساء:

إن إله إبراهيم قدوس؛ لذلك نراه كل الوقت يُصِِرُّ على الحفاظ على قداسة الشعب. نرى مثلاً في الحرب الأولى التي خاضها بني إسرائيل بدعوة من الله لعقاب المديانيين، فبعدما قتلوا جميع ذكورهم البالغين وسبوا نساءهم وأطفالهم وكل مالهم (العدد ٣١: ١-١٣). فعرف موسى أنهم تركوا النساء أحياء غضب لأن هؤلاء النساء الذين أغووا شعب إسرائيل ليخطئوا تابعين نصيحة بلعام. وهنا نرى كيف أن الله قدوس، ويشترط على شعبه بأن يسلك بقداسة، وإلا سيعاقبهم بالوبأ كما فَعَلَ فِعلاً بعد تلك الحادثة (العدد ٣١: ١٦). وزنوا قبلها أيضًا مع بنات مؤاب، فأمات الرب من الشعب أربعة وعشرين ألفًا بالوبأ (العدد ٢٦: ١-٩). فلم يسمح الله للشعب بالزواج بأكثر من امرأة واحدة، ولم يحلل لهم أن يأخذوا من النسا ما ملكت أيمانهم، لكن كانت دعوته لهم دعوة قداسة وبر.

أذًا رأينا بواسطة جميع هذه المبادئ، التي لا تقبل التأويل ولا الجدل، أن عملية دخول شعب إسرائيل لأرض كنعان تختلف عن أي فتح ديني،ادَّعى أناسٌ أنه من قِبَل الله، على مر العصور. فلم نرى أي حرب شنت باسم الله على مر العصور، تحتوي على أيٍّ من تلك المبادئ، مما يبرهم أن تلك الحروب الأخرى، التي نُسِبت لله، هي كاذبة والله بريء منها تمامًا.

قد تمت هذه السلسلة بنعمة الله، وأتمنى أن يستخدمها الله ليظهر الحق والنور، ويبدِّد به الظلام.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
يجد إنسان القرن الواحد والعشرين صراعًا من جهة تقبُّل الحروب التي إقيمت بإسم الله على مر العصور: فيعترض الكثير من المُسلمون مثلاً على رفض المسيحيون لفكرة الفتوحات الإسلامية، في الوقت الذي يُشَرِّعون فيه فتح
في هذا المقال سنتناول الميزة الفريدة الثانية لدخول شعب إسرائيل لأرض كنعان، وهي أن الله لم ينصر شعبه ظالمًا أو مظلومًا، لكن سنرى عدالة الله ومحاسبته وعقابه لشعبه عندما كان يُخطئ، وهذا لم ولن نراه
عندما نقرأ عن دخول شعب إسرائيل إلى أرض كنعان، نقف أمام صُوَرْ صعبة ومفاجئة؛ وهي قتل أناس أبرياء، مثل النساء والأطفال. فما هو السبب لسماح الله لهذا؟ ولماذا لم يعترض الله على هذا؟
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader