لو جلست في مجلس عائلي، أو ركبت حافلة عامة، أو رأيت شخصين يتنازعان في الشارع، ستسمع حتمًا جملة واحدة تتكرر: «صلِّ على النبي». وفي ثانية واحدة، تجد كل الحاضرين يردون: «صلى الله عليه وسلم». لكن الغريب أنه عندما يذكر شخص ما كلمة «الله» في نفس المجلس، يمر الكلام عاديًا، دون أن تجد الجميع يرددون وراءه عبارات مثل «عز وجل» أو «سبحانه وتعالى».
هذا المشهد اليومي يجعلنا نفكر: لماذا ينطلق لساننا بسرعة مع اسم الرسول، بينما يصمت عند ذكر اسم الله؟ ما هو السر النفسي والتاريخي الذي جعل المجتمع يسير بهذه الطريقة؟
• الخوف من صفة البخل وعدم الإيمان: منذ الصغر، كبرنا على حديث مشهور يتردد في آذاننا، يقول محمد: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يُصلِّ عليَّ». هذا جعل الصلاة على النبي تتحول إلى رد فعل سريع دون تفكير، خوفًا من أن يشعر الناس بأننا مقصرون أو بخلاء، ونُتهم في ديننا. في المقابل، لا يوجد تحذير مباشر كهذا يُقال لو سمعنا اسم الله ولم ننطق وراءه بكلمة تعظيم.
• كلمة السر لفض النزاعات: كلمة «صلِّ على النبي» تحولت إلى «أداة لحل المشاكل في الشارع». عندما يشتد الخلاف بين شخصين، يتدخل الناس قائلين: «صلِّ على النبي يا فلان»، فتهدأ النفوس ويسكت الجميع. ونحن لم نعتد استخدام عبارات تمجيد الله بالطريقة العملية نفسها في مشاكلنا اليومية.
التاريخ: من الذي وجّه الناس إلى هذا؟
حضور اسم النبي بكثافة في الشارع ليس وليد الصدفة، بل وراءه جهات في التاريخ وجّهت عقول الناس نحو هذا السلوك:
1. الحكام والسياسة القديمة:
قديمًا، كان الخلفاء والحكام بحاجة إلى طريقة تجعل الشعوب تسمع كلامهم وتطيعهم. ركزوا على تضخيم وتمجيد شخصية النبي في كل مكان، وقالوا للناس إنهم أقرباء النبي أو يحكمون باسمه. فكلما عظّم الشعب النبي، عظّم الحاكم الذي يأتي من طرفه.
2. ثقافة الفرج السريع:
في أوقات الفقر والظلم التاريخي، انتشرت حركات التصوف. وجد هؤلاء أن المواطن البسيط يستصعب فكرة «الإله المجرد البعيد في السماء»، فوجّهوا قلوب الناس نحو النبي البشري القريب. وأخرجوا كتبًا كاملة، ووعدوا الناس بأن الصلاة على النبي «تفك الكرب وتقضي الحوائج فورًا ودون تعقيد». فتمسك الناس «الغلابة» بهذه الجملة طلبًا للفرج السريع.
الخلاف الكبير: تعظيم أم عبادة؟
هذا التعلق الشعبي الهائل بالنبي فجّر خلافًا فكريًا كبيرًا جدًا في التاريخ، وهذا الخلاف ما زال حاضرًا معنا حتى اليوم، حيث انقسم الشارع، بسبب هذا الخلاف، إلى فريقين:
• فريق السلفية: هذا التيار رأى أن الناس في الشوارع والمجالس صاروا ينجرون وراء تمجيد النبي لدرجة جعلت اسم الله يأتي في المرتبة الثانية، واعتبروا هذا خطرًا على التوحيد. لذلك حاربوا بقوة الاحتفالات بالمولد النبوي، ومنعوا الناس من الدعاء والتوسل بالرسول، وفي أوقات معينة هدموا مقامات وأضرحة، لأنهم رأوا أن الناس «تعبدها عمليًا» وتترك المساجد.
• فريق الصوفية: في المقابل، هذا الفريق يرى أن كثرة الصلاة على النبي والمدائح هي روح الدين. ويتهمون الفريق الثاني بأن قلوبهم ناشفة وجافة. ويقولون: النبي هو مجرد واسطة لرحمة الله، فكيف تقولون عن هذا إنه شرك؟
خلاصة الكلام
الممارسة اليومية والتكرار الآلي المستمر أثبتا أن التمجيد اللفظي الطاغي للرسول قد أزاح حضور الخالق إلى مرتبة ثانوية في الفضاء السمعي اليومي للمجتمعات. إذ أصبحت ألسنة الناس تطلق العبارة النبوية كعادتها في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، لدرجة أنها صارت هي المحرك الفعلي للأحاديث اليومية، بينما تراجع اسم الخالق ليصبح مجرد فكرة ثانوية تُحترم بالصمت بدلًا من الترديد.
بقلم: عبدالله محمد
