إضاءة.. بين معتقدين

بين دعوة قامت على الصراع والسلطة، ورسالة تجلّت في الغفران والتضحية، تبرز مقارنة روحية وتاريخية بين الإسلام والمسيحية، وبين نهج محمد وتعاليم المسيح.
قبل 13 ساعة
إضاءة.. بين معتقدين

استهلال:

في كل اللقاءات والمجالس والحوارات والندوات.. يُطرح بشكل أو بآخر سؤال حول أي المعتقدات علوًا وزهوًا، أو الأكثر صلاحًا لعالم اليوم، والأعمق إنسانيًا وحياتيًا.. هل هو الإسلام أم المسيحية؟ هذا ما سأبحثه في هذا المقال، وفق رأيي الشخصي.

الموضوع:

أولًا، لا بد لنا من أن نسرد لمحة عن الإسلام والمراحل التي مر بها باقتضاب.. منذ أكثر من 14 قرنًا برزت دعوة في مكة والمدينة، وبعد عقود أُطلق عليها الإسلام. صاحب الدعوة هو محمد بن عبد الله، أو قثم، اسمه قبل الدعوة.. سمه ما شئت. هذا المعتقد بدأ بصبغة وردية: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ / 34 سورة فصلت"، وفي أول الدعوة المحمدية لم يجبر أحدًا على اتباع دينه: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ / 256 سورة البقرة".

ولكن هذا المعتقد، بعد اشتداد قوة محمد وعدته وعدد أصحابه، تغيّرت فيه كل الأمور، فقام بغزو كل من كان يعاديه، ودعا أصحابه للجهاد: "فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا / 52 سورة الفرقان". ووعد محمد من يُقتل بمميزات أخروية، يقول الرسول: "للشهيدِ عندَ اللهِ ستُّ خصالٍ: يُغفرُ لهُ في أولِ دفعةٍ، ويَرى مقعدَهُ منَ الجنةِ، ويُجارُ منْ عذابِ القبرِ، ويأمنُ منَ الفزعِ الأكبرِ، ويُوضعُ على رأسِهِ تاجُ الوقارِ، الياقوتةُ منها خيرٌ منَ الدنيا وما فيها، ويُزوَّجُ اثنتينِ وسبعينَ زوجةً من الحورِ العينِ، ويُشفَّعُ في سبعينَ منْ أقاربِهِ".

وهذا الخطاب كان في مجتمع قبلي، معظمه جاهل وغير واعٍ، فجعل الجموع تجاهد لنيل ما دعا إليه محمد. وفي ذات الوقت، تغيّر وتطور خطاب محمد إلى مقاتلة كل من لم يؤمن بدعوته، وفق الحديث التالي: "عن ابن عمر، أن رسول الله قال: أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى. رواه البخاري ومسلم".

وطالب أيضًا بقتل كل من عاداه أو هجاه أو آذاه، فلا سماح ولا غفران في قاموس محمد. وختم الأمر بالنص القرآني التالي: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ /19 سورة آل عمران".

خلاصة المعتقد: إما أن تُقتل أو أن تُسلم أو أن تدفع الجزية، هذا هو الإسلام باختصار!

ثانيًا، أما المسيحية، فهي ليست دينًا أو معتقدًا كغيرها من المعتقدات، لأنها حياة ملؤها التضحية والغفران والتسامح. وأنا هنا لا أتكلم عن المسيحيين، بل أتكلم عن المسيحية كمعتقد، وعن المسيح كمخلّص، الذي وُلد بأعجوبة إلهية: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ، يُدْعَى ابْنَ اللهِ / إنجيل لوقا". وهذه الولادة نُص عليها قرآنيًا أيضًا: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ / 45 سورة آل عمران".

المسيح لم يغير من مبادئه ونهجه وتعاليمه في التبشير للآخرين، وفق تغيّر القوة أو السلطة أو المال، بل كانت قوته مستمدة من إلهام إلهي. كان يعلم الجميع ويخدم الجميع، لا تفرقة ولا نفعية، يحيي الموتى ويشفي المرضى والعميان والبرص بكلمة منه، لأنه هو الكلمة: "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ / إنجيل يوحنا". وهذا أيضًا مؤكد قرآنيًا: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ /171 سورة النساء".

المسيح لم يقتل أعداءه أو المجدفين عليه، فهو غفر حتى لصالبيه: "يا أبتاه اغفر لهم لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ / إنجيل لوقا". وبينما كان رجم الزانية في اليهودية والإسلام عقائديًا، أما المسيح فغفر حتى للزانية وقال للجمع: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ! / إنجيل يوحنا".

وتُوّجت حياة المسيح بصلبه، ويُعتبر صلب المسيح، وفق الإيمان المسيحي، تجسيدًا للتضحية الفريدة التي قام بها المسيح من أجل خلاص البشرية جمعاء. فالمسيح تحمل آلام الجلد والصلب، ليمنح فرصة الخلاص والمغفرة للبشرية. وقيامة المسيح من بين الأموات بعد قبره هي العقيدة المسيحية بذاتها، فلولا القيامة لما كانت هناك مسيحية. هذه المسيحية في سطور.

إضاءة:

كيف تتجه أنظار القارئ للتاريخ نحو هذين المعتقدين المحوريين في الفضاء الديني؟ وعلى أي معتقد تميل الكفة؟ معتقد قام ونشأ منصبًا على ثقافة القتل، وعلى وعود محمد لأصحابه وأتباعه بمغريات جنسية في الجنة، من حور عين وغلمان وولدان مخلدين، وأنهار من خمر ولبن. معتقد بعد وفاة صاحب الدعوة، تصارع أصحابه وأتباعه على السلطة والحكم، وقُتل في معركتين فقط الآلاف، على سبيل المثال وليس الحصر: معركة صفين سنة 35 هـ بين جيشي الخليفة علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وقُتل بها "70000" صحابي وتابعي. وفي معركة الجمل، سنة 36 هـ، بين جيشي علي بن أبي طالب والصحابيين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، ترافقهما عائشة زوج الرسول، وكانت على هودج جمل، وقُتل بها "10000" صحابي وتابعي.

من جانب آخر، معتقد بعد صلب المسيح، ذهب تلامذته، كرسل، إلى كل أرجاء العالم للتبشير برسالة معلمهم. والمفارقة أنه بينما أصحاب محمد تصارعوا على السلطة بعد موته، أما رسل المسيح فقُتلوا في سبيل بشارة المسيح، فقُطعت رؤوسهم أو صُلبوا أو تُركوا فريسة للحيوانات المفترسة، عدا الرسول يوحنا الذي مات في أجله. أما الرسول بطرس، فرفض أن يُصلب كسيده، فصُلِب رأسه إلى الأسفل ورجلاه إلى الأعلى. وحتى يهوذا الإسخريوطي، الذي خان المسيح وسلمه ليُصلب، انتحر ندمًا.

خاتمة:

لا بد لنا من القول إنّ بموت محمد انتهى الإسلام كدعوة، وتحول امتداد الإسلام إلى غطاء ومظلة للسلطة والحكم والخلافة، لمن خلفوا محمد من خلفاء وأمراء وقادة. بينما رسل المسيح لم يطلبوا لا سلطة ولا منصبًا ولا مالًا، بل استمروا مبشرين برسالة ربهم وسيدهم يسوع المسيح.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.