أوروبا تتأزم وإسرائيل تتعزز.. هل تتحقق النبوات من حيث لا يدري أحد؟

بين أزمات أوروبا وصعود اليمين وتزايد المخاوف الأمنية لدى اليهود، تبرز مفارقة تستحق التأمل: هل يمكن أن تتحول الاضطرابات الأوروبية إلى مكاسب لإسرائيل، وأن يساهم معارضوها في تقويتها دون أن يدروا؟ وما علاقة هذه التحولات بالنبوات الواردة في الكتاب المقدس؟
قبل 10 ساعات
أوروبا تتأزم وإسرائيل تتعزز.. هل تتحقق النبوات من حيث لا يدري أحد؟

من يتابع ما يجري في أوروبا اليوم، وتحديدًا في فرنسا وإيطاليا، وما تشهده بعض الدول الأوروبية من مظاهرات واحتجاجات وأزمات متعلقة بالهجرة والهوية الوطنية والأوضاع الاقتصادية، قد يظن أن ما يحدث لا يتعدى كونه صراعات داخلية بين الحكومات والشعوب. لكن لو نظرنا إلى هذه الأحداث من زاوية أخرى، وربطنا بينها وبين ما يجري في إسرائيل، فقد نصل إلى نتائج لم تخطر على بال الكثيرين.

هل يمكن أن تتحول الأزمات الأوروبية إلى مكاسب لإسرائيل؟ وهل يمكن أن تكون بعض الجماعات التي ترفع شعارات معادية لها سببًا غير مباشر في تقويتها؟ ثم ما علاقة ذلك بما ورد في الكتاب المقدس عن عودة اليهود إلى أرض إسرائيل، وعن دور الأمم في مستقبلها؟

من يطالب بتحرير فلسطين.. هل يساهم في تقوية إسرائيل؟

من المشاهد المألوفة في عدد من المدن الأوروبية خروج مظاهرات ترفع الأعلام الفلسطينية، وتطالب بتحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال، وتندد بالسياسات الإسرائيلية.

لكن هناك فرقًا بين المطالبة بحقوق الفلسطينيين، وبين أن تتحول بعض المظاهرات إلى مناسبة لتهديد اليهود أو الاعتداء عليهم، وكأن المواطن اليهودي في فرنسا أو بريطانيا مسؤول عن قرارات الحكومة الإسرائيلية.

وهنا تبدأ المفارقة.

لنفترض أن عائلة يهودية تعيش في فرنسا منذ عشرات السنين، ولديها منزل وعمل وأولاد يدرسون في المدارس الفرنسية. هذه العائلة لم تفكر يومًا بمغادرة فرنسا. لكن ماذا يحدث عندما يصبح إظهار هويتها اليهودية أو إرسال أولادها إلى مدرسة يهودية مصدر خوف وقلق؟

ألا يمكن أن تبدأ بالتفكير في الانتقال إلى إسرائيل؟

وإذا تكرر الأمر مع آلاف العائلات، فما النتيجة؟

قد تكون النتيجة ازدياد عدد اليهود في إسرائيل، الدولة التي يسعى بعض أصحاب الشعارات المعادية لها إلى إضعافها.

والغريب هنا أن من يريد إضعاف إسرائيل من خلال تخويف اليهود في أوروبا، قد يكون سببًا في تقويتها من حيث لا يدري!

وهذا الخوف ليس مجرد افتراض. فقد أظهر استطلاع لوكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، نُشرت نتائجه عام 2024، أن 80% من اليهود المشاركين اعتبروا أن معاداة السامية ازدادت خلال السنوات الخمس السابقة. والمثير للاهتمام أن الاستطلاع أُجري قبل أحداث السابع من أكتوبر 2023. [1]

كما أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن 41% من اليهود المشمولين ببيانات سابقة هاجروا أو فكروا في الهجرة بسبب الشعور بعدم الأمان. [2]

صحيح أن التفكير في الهجرة لا يعني تنفيذها، وأن من يهاجر قد يختار دولة غير إسرائيل، لكن هذه الأرقام تكشف عن مشكلة حقيقية.

وهنا علينا أن نسأل: أليس غريبًا أن يؤدي العداء لليهود في أوروبا إلى احتمال زيادة عددهم في إسرائيل؟

والحديث هنا ليس عن كل من يرفع العلم الفلسطيني أو ينتقد إسرائيل، بل عن الذين يحولون الخلاف السياسي إلى عداء ضد اليهود بصفتهم يهودًا.

أوروبا واليمين السياسي.. هل تنقلب المعادلة؟

هناك جانب آخر لا يقل أهمية.

فالمواطن الأوروبي الذي يرى بلاده تواجه أزمات اقتصادية وأمنية، ويشعر بأن الأحزاب التقليدية عاجزة عن معالجتها، قد يبدأ بالبحث عن بديل سياسي.

وفي انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2024، حصلت ثلاث مجموعات يمينية وقومية ومحافظة على 187 مقعدًا من أصل 720 مقعدًا عند افتتاح الدورة البرلمانية. [3]

وهذه الأرقام لا تعني أن أوروبا أصبحت كلها يمينية، لكنها تؤكد تنامي حضور تيارات تجعل الهجرة والأمن والهوية الوطنية من أهم قضاياها.

فهل يدفع الشعور بفشل سياسات الهجرة والاندماج بعض الأوروبيين نحو الأحزاب اليمينية؟

وهل تستفيد هذه الأحزاب من تصرفات الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تحاول استغلال الحريات والمظاهرات لنشر أفكارها وتوسيع نفوذها؟

المشكلة هنا ليست مع كل مهاجر أو مسلم، بل مع الجماعات المتطرفة التي ترفض القانون أو تبرر العنف وتستغل الحريات الديمقراطية لتحقيق أهدافها.

لكن ما علاقة ذلك بإسرائيل؟

بعض التيارات اليمينية الأوروبية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكًا في مواجهة الإرهاب والتطرف الإسلامي، وقد تدعو إلى تعزيز التعاون الأمني معها.

فإذا ازداد نفوذ هذه التيارات، ألا يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقارب سياسي وأمني أكبر مع إسرائيل؟

وهكذا نجد أنفسنا أمام احتمالين متزامنين: ازدياد هجرة بعض اليهود إلى إسرائيل، وصعود قوى سياسية أوروبية قد تكون أكثر استعدادًا للتعاون معها.

ورغم أن اليمين الأوروبي ليس كتلة واحدة، ولا تتبنى جميع أحزابه الموقف نفسه من إسرائيل، فإن هذا الاحتمال يستحق التوقف عنده.

ماذا لو بدأت أوروبا بترحيل المهاجرين؟

لقد بدأ تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد في 12 يونيو 2026، متضمنًا إجراءات لتنظيم اللجوء وفحص الوافدين وإدارة الحدود وإعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق البقاء وفق الإجراءات القانونية. [4]

لكن ماذا لو اتجهت بعض الحكومات مستقبلًا إلى سياسات ترحيل أكثر تشددًا؟

وهل يمكن أن تستغل أطراف سياسية في إسرائيل هذا التوجه الأوروبي لتبرير مقترحات تتعلق بخروج الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية؟

قد يحاول البعض استخدام هذه المقارنة سياسيًا، لكن هناك فرقًا قانونيًا واضحًا بين إعادة مهاجر لا يملك حق الإقامة بعد إجراءات قانونية، وبين تهجير سكان من أرض محتلة.

فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو 2024 أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري والترحيل من الأراضي المحتلة. [5]

ومع ذلك، فإن عدم صحة المقارنة القانونية لا يمنع محاولة استغلالها في الخطاب السياسي.

فهل يمكن أن يؤدي تغير المواقف الأوروبية من الهجرة إلى تغير موقف بعض الحكومات من المقترحات المتعلقة بنقل الفلسطينيين؟ أم أن أوروبا ستتمسك بالتمييز بين الحالتين؟

لا يمكن الجزم بالنتيجة، لكن السؤال يستحق المتابعة، خصوصًا إذا استمرت التحولات السياسية داخل القارة.

وهل للكتاب المقدس كلمة في كل ما يجري؟

قد يسأل البعض: وما علاقة هذه الأحداث بالكتاب المقدس؟

نقرأ في سفر حزقيال:

«وَآخُذُكُمْ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، وَأَجْمَعُكُمْ مِنْ جَمِيعِ الأَرَاضِي، وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِكُمْ». (حزقيال 36:24)[6]

وفي سفر إرميا نقرأ:

«هأَنَذَا آتِي بِهِمْ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ، وَأَجْمَعُهُمْ مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ». (إرميا 31:8)

يرى بعض المفسرين المسيحيين أن عودة اليهود إلى أرض إسرائيل في العصر الحديث تدخل ضمن تحقيق الوعود الإلهية المتعلقة بجمعهم من بين الأمم، بينما يفهم آخرون هذه النصوص في سياقات تاريخية وروحية مختلفة.

لكن إذا أخذنا بالتفسير الأول، فهنا يطرح سؤال مهم:

هل يشترط أن يعود اليهود إلى إسرائيل نتيجة دعوة دينية، أم أن الظروف السياسية والأمنية قد تدفعهم إلى العودة أيضًا؟

وهل يمكن أن تكون الاضطرابات الأوروبية أحد العوامل التي تساهم في استمرار هذه العودة؟

وهنا نتذكر ما قاله يوسف لإخوته:

«أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا». (تكوين 50:20)

فالإنسان قد يقصد أمرًا، لكن النتائج قد تسير في اتجاه آخر لم يتوقعه، دون أن يعني ذلك أن الشر نفسه يصبح صالحًا أو مبررًا.

وهذه هي المفارقة التي تحدثنا عنها منذ البداية: من يسعى إلى إضعاف إسرائيل عبر تهديد اليهود في أوروبا قد يساهم، دون أن يقصد، في زيادة عدد سكانها.

أوروبا والإمبراطورية الرومانية.. هل هناك ارتباط نبوي؟

في سفر دانيال، وتحديدًا في الإصحاحين الثاني والسابع، نقرأ عن ممالك متعاقبة، وقد فسّر كثير من الدارسين المسيحيين المملكة الرابعة بأنها الإمبراطورية الرومانية.

ويرى بعض أصحاب التفسير النبوي المستقبلي احتمال ظهور نظام سياسي في الأزمنة الأخيرة له ارتباط بالإمبراطورية الرومانية القديمة، ومن هنا جاءت محاولات ربط هذه النبوات بأوروبا الحديثة.

وفي دانيال 9:27 نقرأ:

«وَيُثَبِّتُ عَهْدًا مَعَ كَثِيرِينَ فِي أُسْبُوعٍ وَاحِدٍ».

يرى بعض المفسرين أن هذه الآية تشير إلى عهد مستقبلي يرتبط بإسرائيل، وربما بقوة سياسية تنتمي إلى المجال الروماني القديم، بينما يرى آخرون أنها تتعلق بأحداث تاريخية أو بعمل المسيح.

فإذا أخذنا بالتفسير المستقبلي، هل يمكن أن تقود الأزمات الأوروبية إلى ظهور قوة سياسية جديدة تبحث عن تحالفات أمنية مع إسرائيل؟

وهل يمكن أن يتطور التعاون الأوروبي الإسرائيلي إلى ترتيبات سياسية أوسع في المستقبل؟

كما يتحدث سفر زكريا، في الإصحاح الثاني عشر، عن أورشليم ومكانتها وسط صراعات الأمم. فهل تكون التحولات الحالية مقدمة لتغيرات أكبر في مستقبل المنطقة؟

هذه الأسئلة تستحق الدراسة، لكن الكتاب المقدس لا يذكر الاتحاد الأوروبي الحديث بالاسم، ولا يحدد تحالفًا أوروبيًا لحماية إسرائيل، ولذلك لا يجوز اعتبار هذه الاحتمالات تحقيقًا مؤكدًا للنبوات.

وأخيرًا.. من المستفيد؟

لو جمعنا الأحداث السابقة، فسنجد أنفسنا أمام صورة غريبة تستحق التفكير.

أوروبا تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وتحديات تتعلق بالهجرة والأمن والهوية الوطنية. وفي الوقت نفسه، يتزايد حضور بعض التيارات اليمينية، بينما يشعر قسم من اليهود الأوروبيين بالخوف من معاداة السامية، وقد يدفع ذلك بعضهم إلى الهجرة إلى إسرائيل.

ومن جهة أخرى، قد تؤدي التحولات السياسية والأمنية إلى تعزيز تعاون بعض الحكومات الأوروبية مع إسرائيل، وربما إلى إعادة النظر في مواقفها تجاه قضايا الشرق الأوسط.

فهل يمكن أن تكون إسرائيل من المستفيدين من هذه الأزمات؟

قد يحدث ذلك في بعض المجالات، لكنه ليس نتيجة حتمية.

أما من الناحية اللاهوتية، فإن دراسة أسفار حزقيال وإرميا ودانيال وزكريا تفتح المجال أمام تساؤلات حول إسرائيل ومستقبل الأمم، دون أن تسمح لنا بالجزم بأن كل ما نشاهده اليوم يمثل تحقيقًا مباشرًا للنبوات.

وهنا يبقى السؤال الأهم:

هل يمكن أن تكون بعض القوى التي تسعى اليوم إلى إضعاف إسرائيل سببًا غير مباشر في تقويتها؟ وهل تتحول أزمات أوروبا إلى ظروف تساعد على زيادة عدد اليهود في إسرائيل وتعزيز تحالفاتها المستقبلية؟

ربما تكشف لنا السنوات القادمة عن نتائج لم يكن يتوقعها أصحاب الشعارات والمظاهرات والقرارات السياسية أنفسهم.


المصادر والمراجع

[1] وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية (FRA)، يوليو 2024.
دراسة حول معاداة السامية وتجارب اليهود في 13 دولة أوروبية.

https://fra.europa.eu/en/publication/2024/experiences-and-perceptions-antisemitism-third-survey

[2] المفوضية الأوروبية، استراتيجية مكافحة معاداة السامية (2021-2030).
بيانات عن الشعور بعدم الأمان والتفكير في الهجرة لدى اليهود الأوروبيين.

https://commission.europa.eu/strategy-and-policy/policies/justice-and-fundamental-rights/combatting-discrimination/racism-and-xenophobia/combating-antisemitism/eu-strategy-combating-antisemitism-and-fostering-jewish-life-2021-2030/about-eu-strategy_en

[3] البرلمان الأوروبي، انتخابات 2024.
النتائج الرسمية وتوزيع المقاعد بين المجموعات السياسية.

https://results.elections.europa.eu/en/european-results/2024-2029/

[4] المفوضية الأوروبية، ميثاق الهجرة واللجوء.
القواعد الأوروبية الجديدة لتنظيم الهجرة واللجوء وإجراءات العودة.

https://home-affairs.ec.europa.eu/policies/migration-and-asylum/pact-migration-and-asylum/questions-and-answers-pact-migration-and-asylum_en

[5] محكمة العدل الدولية، 19 يوليو 2024.
الرأي الاستشاري بشأن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

https://www.icj-cij.org/node/204176

[6] الكتاب المقدس، ترجمة فاندايك.
حزقيال 36:24، إرميا 31:8، تكوين 50:20، دانيال 2 و7 و9:27، وزكريا 12.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.