كل فترة تخرج علينا مراكز الأبحاث العالمية، مثل مركز «بيو» الأمريكي، بإحصائية جديدة تخبرنا أن عدد المسلمين في العالم كسر حاجز الملياري نسمة. طبعًا، هذه المراكز عندما تقوم بالعد، لا تفتش في القلوب، ولا تبحث عمّن إيمانه صحيح ومن إيمانه خاطئ؛ هي ببساطة تسأل الناس في استبياناتها: «ما ديانتك؟»، وكل من يجيب بكلمة «مسلم» يدخل فورًا في القائمة، سواء كان ملتزمًا بالعبادات أم لا، وسواء كان سنيًا أم شيعيًا أم غير ذلك. لكن لو فكرنا للحظة خارج هذه الحسبة الرسمية، وطبقنا منطق الإقصاء وفتاوى التكفير المتبادل التي نراها يوميًا في ساحات الإنترنت وبعض الكتب، فإن هذا الرقم الملياري سيتبخر تمامًا، ويتحول إلى عدد صغير جدًا؛ والسبب يعود إلى حسبة بسيطة.
أولًا، لو سرنا خلف كلام التيارات التي تكفّر الشيعة والإباضية، وتعتبرهم خارجين عن الملة، فسنضطر إلى شطب نحو 265 مليون إنسان، منهم 260 مليون شيعي و5 ملايين إباضي، من المجموع الكلي. وبذلك نكون قد حذفنا ربع مليار مسلم بضربة قلم واحدة.
المفاجأة الأكبر تظهر عندما ندخل إلى داخل البيت السني نفسه؛ فبعض التيارات لا تكتفي بتكفير الطوائف الأخرى، بل تُخرج مذاهب ومدارس مثل «الأشاعرة والماتريدية والصوفية» من دائرة «الإسلام الصحيح» بسبب خلافات فقهية وعقدية. والمشكلة هنا أن هذه المدارس تشكل الغالبية العظمى من سكان دول إسلامية كبرى، مثل مصر ودول المغرب العربي وتركيا ودول جنوب شرق آسيا. وهذا يعني أننا، لو طبقنا معيار التكفير هذا، فسنشطب أكثر من مليار و200 مليون مسلم سني. وفي المقابل، يفعل بعض أتباع المذهب الشيعي الشيء نفسه، ويكفّرون نحو 1.8 مليار سني لأنهم لا يؤمنون بالولاية.
وفوق كل هذا، يجب أن نضيف إلى الحسبة فئة الذين تركوا الدين تمامًا، من المرتدين والملحدين واللادينيين؛ فمراكز الأبحاث المستقلة، عندما تجري استطلاعات رأي سرية عبر الإنترنت، تكتشف أن هناك ما بين 5% و7% من الذين وُلدوا لعائلات مسلمة لم يعودوا يعترفون بالدين. وهذه الظاهرة واضحة جدًا بين الجيل الحالي من المهاجرين في أمريكا وأوروبا، وأيضًا في دول تشهد تحولات فكرية حادة، مثل إيران وبعض المجتمعات العربية. وهذا الملف وحده يعادل شطب نحو 135 مليون شخص يعيشون بهوية لادينية، ومحكوم عليهم بالردة في المنظور الفقهي.
الآن، لو أمسكنا بالآلة الحاسبة وبدأنا عملية الطرح: حذفنا 265 مليون شيعي وإباضي، وشطبنا مليارًا و200 مليون من الأشاعرة والمتصوفة، ثم أضفنا إليهم 135 مليونًا من الملحدين والمرتدين؛ فستكون الصدمة أن إجمالي المستبعدين يصل إلى 1.6 مليار نسمة. والنتيجة الصافية المتبقية من الملياري نسمة هي نحو 400 مليون إنسان فقط، وهؤلاء يمثلون التيارات السلفية والأشخاص الجازمين بأنهم وحدهم «الفرقة الناجية»، وأن كل من عداهم ليسوا مسلمين.
وفي رأيي، فإن هذه الحسبة الرقمية والضخامة العددية للمسلمين عالميًا مرهونتان بالاعتراف بالتنوع داخل الفضاء الإسلامي. وحين تسقط الهوية الجامعة لصالح فتاوى التكفير والارتداد، يتلاشى هذا الثقل الديموغرافي فورًا، وتتحول الكتلة المليارية إلى شظايا بشرية متناثرة، يفتت بعضُها بعضًا.
