يبحث الإنسان بطبيعته عن أمور وتحديات جديدة في حياته، لكي يملأ الفراغ الذي في قلبه ويشغل فكره بتلك الأمور. فنرى أن الذي يملك بيتًا يبحث عن بيت آخر جديد، أكبر وأجمل، أو ربما يرغب بامتلاك عدة بيوت بدافع السفر إلى خارج البلاد أو لهدف التجارة والربح. هذا الأمر من الممكن أن يكون مقبولًا إلى حدٍّ ما، لكن إذا دخل عنصر الطمع وعدم الاكتفاء بما نملك، فهنا تبدأ المشاكل!
الأمر لا يقتصر فقط على البيوت، بل ربما تتوسع دائرة الرغبة في الامتلاك وعدم الاكتفاء إلى أمور أخرى مثل السيارة أو الأراضي، أو ربما تغيير مجال العِلم أو حتى العمل. والأسوأ من كل هذا عندما لا «يكتفي» الإنسان بشريك حياته، ويبدأ بالبحث عن علاقات غرامية خارج نطاق الزواج الذي قدّسه وباركه الله. بل وأحيانًا نرى بعض المؤمنين الذين يتركون الكنيسة التي احتضنتهم لسنوات طويلة، ويبحثون عن «تجارب روحية» جديدة، لأن الكنيسة الأم لم تعد تكفي لرغباتهم ونموهم الروحي!
طبعًا، نحن لا نتكلم في سياق انحراف كنيسة أو خادمها عن الحق الإلهي واتباع تعاليم تناقض الإنجيل!
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يبحث الإنسان عن هذه الأمور والتجارب الجديدة، حتى وإن كان بعضها مخالفًا لفكر الله ولمشيئته؟
نقرأ في كتاب الجامعة عن كلام واختبار حياة ابن داود، الملك في أورشليم، الملك سليمان الذي اختبر أمورًا عديدة في حياته، واتخذ لنفسه العديد من النساء، ألف امرأة، وامتلك الذهب والفضة والبيوت والعديد من الأمور الأخرى. نراه يقول في النهاية إن الكل باطل، وإن العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع، وليس تحت الشمس جديد. والأخطر من هذا كله أن قلب سليمان زاغ عن محبة الله وتكريس حياته له، بسبب محبة النساء الغريبات اللواتي عبدن آلهة أخرى غير الإله الحقيقي، الرب خالق السماوات والأرض!
لكن مع كل هذا، تبقى محبة الرب لنا أعظم من زلاتنا وخطايانا وابتعادنا عنه، فهو مَن وعد على فم عبده إشعياء قائلًا:
«لا تذكروا الأوليات، والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانعٌ أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألا تعرفونه؟ أجعل في البرية طريقًا، في القفر أنهارًا» (إشعياء 43: 18-19).
هل تشعر بالملل واليأس من هذه الحياة؟
رغم أنك تملك العديد من البيوت والسيارات والأراضي، وربما أيضًا علاقات غرامية خارج الزواج؟!
أو ربما لا تملك أي شيء؟
ما زال الرب يدعو: «تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين»، لأنه هو وحده، لا غيره، ينبوع الحياة والفرح والسلام. هو مَن وهبنا ابنه لكي يموت على عود الصليب، فكيف لا يهبنا معه كل شيء؟
وهو مَن علّمنا بأن نطلب أولًا ملكوت الله وبره، وجميع الأشياء تُزاد لنا، طبعًا الأشياء التي حسب مشيئته لحياتنا، وليس حسب شهوة القلب الشرير الطميع!
نقرأ في إنجيل يوحنا، الأصحاح الثالث، عن اللقاء الليلي المبارك بين رب المجد يسوع المسيح ونيقوديموس. هذا الفريسي كان رئيسًا لليهود، وقد طلب يسوع لأنه لم يكتفِ بالتديّن الممل، وحفظ الشريعة بقوته البشرية ووصايا الناس. وربما نحن أيضًا مللنا من التديّن الظاهر، وعدم الاختبار القلبي الداخلي للولادة الجديدة بكلمة الله الحية الفعالة وقوة روحه القدوس العامل فينا ومن خلالنا. هوذا الآن وقت مقبول، ووقت خلاص ونعمة، لكي نطلب بصدق القلب من الله أن نعرفه معرفة قلبية حقيقية، لكي نختبر الولادة الجديدة في حياتنا، ونفرح بفرح لا يُنطق به ومجيد، فرح غفران الخطايا والخلاص والحياة الأبدية...
هذا ما شدد عليه الرسول بولس في تعاليمه ورسائله، وحذّر من التديّن الخارجي الباطل من دون اختبار قلبي صادق، عندما كتب لكنيسة كورنثوس:
«إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا. ولكن الكل من الله، الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح، وأعطانا خدمة المصالحة» (كورنثوس الثانية 5: 17-18).
كذلك أكد الرسول بولس أن الإنسان لا ينتفع من حفظ الطقوس الدينية من دون اختبار حقيقي وحي مع الله، ولاختبار السلام الحقيقي الذي يملأ القلب، كما يعتقد البعض أن مشيئة الله هي فقط الذهاب إلى الكنيسة مرة في الأسبوع، أو أن نمارس «أسرار الكنيسة» مثل المعمودية بالماء والمناولة وغيرها من طقوس دينية غير كتابية من دون إيمان قلبي حقيقي. مع أن الرب يسوع أوصى الكنيسة بالمعمودية بالماء وكسر الخبز، لكن على أساس الإيمان الحقيقي والتوبة القلبية.
لذلك حذّر بولس أهل غلاطية قائلًا:
«لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة، بل الخليقة الجديدة. فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلام ورحمة، وعلى إسرائيل الله» (غلاطية 6: 15-16).
حذّر الرب يسوع من الازدواجية في حياتنا، كما كانت الحال مع شعب إسرائيل في القديم، أو كما حاول الفريسيون خداع الجميع والتظاهر بالتقوى الخارجية باللباس وحفظ وصايا البشر، ونسوا أثقل الناموس، الذي هو الحق والرحمة والإيمان.
ونحن اليوم علينا جميعًا أن نطرح عنا كل كلام كذب وغش وخداع، وكل غضب وحقد وكراهية، وكل سرقة وطمع وعبادة أي وثن في حياتنا، ونتمسك بدعوة الرب يسوع لحياتنا، كما دعا بولس أهل أفسس:
«أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، وتتجددوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق» (أفسس 4: 22-24).
هل ما زلنا نعتقد أن امتلاك البيوت والسيارات والأراضي والأموال هو ما يُشبع القلب ويملأ حياتنا بالسلام والفرح الحقيقي؟
ما زال الرب يدعونا جميعًا بأن نرجع إليه بتوبة حقيقية من كل القلب، لأنه هو وحده ينبوع الماء الحي، كما قال عنه النبي إرميا، ويوصي بأن لا نحفر لأنفسنا آبارًا لا تضبط ماءً! (إرميا 2: 13).
أوصى الرسول بولس تيطس بأن يتمسك بالتعليم الصحيح، وأن يوبخ ويتكلم بصرامة ضد المقاومين للحق الإلهي، ويعلّمه أنه ليس بالبر الذاتي وبأعمالنا ننال الخلاص ونعمة الله، بل أوصاه قائلًا:
«ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته، خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا، حتى إذا تبررنا بنعمته، نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية» (رسالة بولس الرسول إلى تيطس 3: 4-7).
وعد الرب شعبه في القديم بأنه سوف يصنع أمرًا جديدًا، لكن غالبية الشعب في القديم رفضوا الرب الإله ومشورته الصالحة، وعبدوا آلهة أخرى غريبة. وما زال الرب يسوع يدعونا جميعًا بأن نتمسك به وبوعوده الصادقة، لأنه سوف يصنع أمرًا جديدًا في حياتنا، وعائلاتنا، وكنائسنا، بل وفي بلادنا أيضًا، فهل نصدّق ونقبل بالإيمان؟
