نقرأ في كتاب القضاة عن افتقاد الرب لشعبه عن طريق قضاة كان قد اختارهم الرب لتحرير شعبه من عبودية واضطهاد الشعوب المجاورة لهم، مع أن شعب إسرائيل خان العهد وابتعد عن الرب وعبد آلهةً أخرى!
أحد هؤلاء القضاة كان جدعون من سبط منسى، الذي اختاره الرب ودعاه ليحرر شعبه من المديانيين، لكن جدعون شعر بالقلق من هذه الدعوة المقدسة، كونه من سبط منسى الصغير، قائلًا للرب: من أنا، وبيت أبي وعشيرتي، لكي أحرر إسرائيل؟
نظر الرب إلى تواضع جدعون، وعدم التفكير بالاكتفاء الذاتي لخدمة الرب وشعبه، كما كان أيضًا موسى، ولم يحسب نفسه ملائمًا لخدمة الرب، لكن مثل هؤلاء يدعو الرب للخدمة، كل متواضع ووديع القلب مثل سيدنا يسوع المسيح.
استخدم الرب جدعون بقوة لتحرير شعب إسرائيل من مديان، باستخدام ثلاثمئة شخص فقط أمام جيش مديان العظيم القوي، لكن بعد هذا الانتصار العظيم، صنع جدعون الأفود، وكان سببًا لابتعاد الشعب ثانيةً عن الرب، بسبب الغنيمة وعدم طاعة الرب!
نقرأ عن أبيمالك ابن جدعون من سُرِّيَّةٍ في شكيم، الذي دبّر مؤامرةً مع أهل شكيم وقتل إخوته، لكن يوثام هرب من هذه المجزرة.
هكذا أقام أهل شكيم أبيمالك ملكًا عليهم، مع أن جدعون أوصى بألّا يملك، لا هو ولا ابنه ولا ابن ابنه، على إسرائيل، بل الرب هو الذي يملك على شعبه. ومع أن اسمه كان أبيمالك (אבימלך)، بمعنى أبي الملك، لكن حياته لم تكن شهادةً أن «أبي الملك»، وطمعه أعمى عينيه، فقتل إخوته أجمعين دون يوثام، ولم يُظهِر أن «أبي ملك»، أو أن الآب هو الملك الحقيقي وابنه يسوع المسيح هو ملك الملوك...
ونحن نسأل اليوم: من هو الملك على حياتنا؟
من هو الملك الحقيقي على زواجنا، وعائلاتنا، وكنائسنا؟
مع أن الرب وضع النظام والسلطة في العائلة والكنيسة، وفي المدرسة، ومكان العمل، والدولة، لكن يجب أن يكون الخضوع والطاعة أولًا للرب يسوع المسيح، وبعدها لكل سلطة لا تعارض بقوانينها ومبادئها رؤية السماء وتعاليم الكتاب المقدس!
هرب يوثام من أخيه أبيمالك، ويا له من أمر محزن، بل ومخزٍ، وسط شعب الرب، أن يكون الطمع وحب السلطة والقتل هو المهيمن على المشهد.
كان يوثام رجلًا حكيمًا، رافضًا لمحبة الأنا، وللجشع والطمع المنتشر كثيرًا، للأسف الشديد، في أيامنا هذه. قدّم يوثام مثالًا لأهل شكيم (שכם، نابلس اليوم)، شعب الرب آنذاك، عن شجرة الزيتونة، والتينة، والكرمة، والعوسج، وأيٌّ منها كانت على استعداد لأن تملك على باقي الأشجار. فكانت شجرة العوسج مستعدةً لذلك، مهددةً بأن تحرق من لا يخضع لها، وكان هذا المثال ينطبق على حياة أبيمالك الذي قتل وسلب وتسلط بالقوة.
نعلم أن كل روح كبرياء محب للسلطة والتسلط على الآخرين ليس من الله، لأن يسوع جاء وديعًا ومتواضعًا، لا ليملك على الدول والشعوب بالقوة والسيف، بل بالمحبة والغفران وسيف الروح الذي هو كلمة الله، التي تخترق القلوب القاسية والأفكار المتحجرة. وما زال يسوع يدعو الجميع إلى يومنا هذا لكي يتبعوه بالروح والحق، ليس بدافع الأنانية وحب السلطة والمال والجاه، بل لكي نخلص ونكون معه في الأمجاد السماوية.
قَبِل العوسج أن يملك، هذه الشجرة التي لا تحمل الثمر ولا تعطي الظل، ومليئة بالشوك الذي يسبب الضرر للآخرين، وهذا هو حال كل إنسان أو خادم أو صاحب نفوذ، لا ينفع الآخرين بشيء غير الضرر والشوك والألم والاستغلال والإذلال!!!
لكن لم يكن هذا حال شجرة الزيتون والتين والكرمة، لأن شجرة الزيتون أدركت أهمية دهن الزيت الذي توفره، مع أن الزيتون يُكبس لكي يعطينا الزيت النقي الطاهر. هذا هو حال كل مؤمن حقيقي بيسوع المسيح، فمن الممكن أن يمر بتجارب وضغوطات لكي يخرج منه زيت وعمل الروح القدس في حياته. وكما أن الروح القدس أقام يسوع من الأموات، هكذا أقامنا الروح القدس من الموت الروحي، واهبًا لنا الخليقة والحياة الجديدة اليومية، لكي نشابه صورة ومثال يسوع المسيح، ونخدم ممسوحين بقوة من العلاء، قوة وسلطان الروح القدس. فهل نترك نحن دهن ومسحة الروح القدس على حياتنا لكي ننشغل بأمور أرضية جسدية، وبحب التسلط والأنانية مع الآخرين؟ نقول مع شجرة الزيتون: حاشا!
لأننا نحن الأمم أصلنا من الزيتونة البرية، لكننا طُعِّمنا في الزيتونة الأصلية، طُعِّمنا في يسوع المسيح لكي نثمر لمجد الله الآب. لكننا نحن لا نتكبر على الأغصان الأصلية، شعب إسرائيل، لا نتكبر، بل نخاف ونتواضع كما أوصى بولس أهل رومية، وما زال يوصينا إلى يومنا هذا بروح النبوة: من له أذنان للسمع، فليسمع، لأن الله قادر حتى يومنا هذا أن يطعمهم في زيتونتهم الخاصة، إن لم يثبتوا في عدم الإيمان!
كل من وُلد من فوق بالروح القدس وكلمة الله، لا بد أن يختبر عمل الرب في حياته وظهور ثمر الروح القدس، وهذا ما أخبرنا به يوثام في مثاله عن شجرة التين التي رفضت أن تملك على باقي الأشجار وتترك حلاوتها!
لأن يوثام أدرك بروحه أن الله هو كل شيء في حياتنا، وهذا معنى اسمه بالعبرية: يهوه كامل، יותם. فماذا نطلب نحن اليوم كشعب الرب، بعد أن صرخ يسوع فوق عود الصليب: قد أُكمِل؟ هل نطلب المال، والجاه، والسلطة، أو غير هذه الأمور التي طلبها ابنا زبدي، يوحنا ويعقوب، بأن يجلسا عن يمين يسوع ويساره في الملكوت؟ وقد سبّب هذا الأمر الغضب والاستياء وسط تلاميذ الرب آنذاك، وما زال يسبب أحيانًا، وللأسف الشديد، الانشقاق والبدع والدينونة وسط شعب الرب اليوم، أي الكنيسة؟!
كل من اختبر ثمر الروح القدس، كما نقرأ في غلاطية الأصحاح الخامس، وكما رفضت التينة أن تترك حلاوتها وتملك على الأشجار الأخرى، هذا هو حال كل مؤمن حقيقي يُشبِع قلب إخوته، بل ومجتمعه أيضًا، بثمر الروح القدس الذي هو محبة، وفرح، وسلام، وطول أناة، ولطف، وصلاح، وأمانة، ووداعة، وتعفف...
هل اختبرنا ثمر الروح في حياتنا؟ وهل نحن سبب بركة للآخرين؟ أم ما زلنا ننهش أحدنا الآخر كما حذّر الرسول الكنيسة في القديم؟!
لعن الرب يسوع في القديم شجرة التين التي لم تحمل ثمرًا، لكن اليوم الرب يسوع يريد أن يحرر ويشفي ويهب الحياة لنا جميعًا، لأنه لم يأتِ ليدين، بل لكي يحرر كل من تسلط عليهم إبليس.
في النهاية، تحدث يوثام في مثله عن الكرمة التي تُفرح قلب الله والناس بالمسطار، أي الخمر الجديدة، ليس بالسُّكر والبطر، بل بحياة جديدة ملؤها المحبة والقداسة والبر، لكي تشهد عن إيمان حقيقي بيسوع المسيح.
نقرأ في كتاب أشعياء، الأصحاح الخامس، عن كرمة الله التي رعاها إلى أقصى الحدود، لكن هذه الكرمة، شعب إسرائيل، خانت العهد وابتعدت عن الرب الإله، وما زال هذا الشعب بأغلبيته إلى يومنا هذا ينتظر مجيء المسيح الأول!
لكن أولاد الله بالإيمان بيسوع المسيح، الذين وُلدوا من فوق بكلمة الإنجيل وعمل الروح القدس، هم كالأغصان في الكرمة الحقيقية، يسوع المسيح، والآب السماوي القدوس هو الكرّام. وما زال الرب يسوع يقلّم ويعمل في حياة الأغصان لكي تأتي بثمر كثير (يوحنا، أصحاح 15)، وهو لا يريد أن ينزع أحدًا ويلقيه في النار، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة والخلاص والحياة الأبدية...
إخوتي، هل ما زلنا نحمل في قلوبنا الرغبة في التسلط والهيمنة على الآخرين، في بيوتنا وعائلاتنا، وفي كنائسنا ومجتمعاتنا؟
أم نتعلم من مثال حكمة يوثام، برفض توجّه شجرة العوسج الشائكة العديمة الفائدة والثمر، ونتبع مثال شجرة الزيتون والتين والكرمة، لكي نمتلئ من دهن الروح القدس، كما مُسح في القديم هارون وداود والملوك، لأننا جميعًا ملوك وكهنة لله الآب القدوس، ويظهر في حياتنا ثمر الروح القدس، ونكون أغصانًا مثمرةً في كرمة الله الحقيقية، يسوع المسيح، لكي نعطي كل المجد للآب القدوس وابنه يسوع المسيح إلى الأبد، آمين.
