المخفي والمعلن عن هدم الكنائس في الإسلام

بين الخطاب المعلن عن التسامح وما تحمله بعض كتب التراث والفتاوى من مواقف تجاه الكنائس، تبرز أسئلة صعبة حول هدم دور العبادة والاعتداء عليها عبر التاريخ. فكيف تشكّلت هذه المواقف، وما علاقتها بالنصوص الدينية؟
قبل 14 ساعة
المخفي والمعلن عن هدم الكنائس في الإسلام

"الحقيقة دائمًا هناك وجهًا لها مخفي غير الوجه المعلن"

استهلال:

أن هدم الكنائس في بلاد المسلمين، وإعادة بنائها أو ترميمها، من أعقد المواضيع وأكثرها إشكالية، وسوف لن أغوص بما جاء من أوامر بذلك، من نصوص في التراث الإسلامي، ولكني سأقدم مجرد لمحة مقتضبة عنها، مضيفًا للموضوع الاعتداءات على الكنائس، مع عرض بعض الفتاوى بذات الصدد، من ثم سأسرد قراءتي الخاصة لموضوع هدم الكنائس، التي لا زال المسلمين من عصر الإسلام المبكر، لحد الآن يهدمون ويحرقون ويتعرضون له! ويظهرون من جانب آخر، وجه الحمل إعلاميًا، بأنهم دعاة مساواة وإخاء!

الموضوع:

بداية، لا بد لنا من الاطلاع على أحكام بناء الكنائس أو هدمها من أمهات المراجع:

فقد جاء في موقع / الحركات الإسلامية، التالي وأنقله باختصار { ذهب ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة"، إلى أن حكم بناء الكنائس أو هدمها يتوقف وفقًا للبلد الموجودة فيها، حيث قسم ابن القيم البلاد التي تفرق فيها أهل الذمة إلى ثلاثة أقسام: الأولى - بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام، والثانية - بلاد أنشئت قبل الإسلام، فافتتحها المسلمون عَنوة وملكوا أرضها وساكنيها مثل مصر والشام، والثالثة - بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحًا، ثم يسترسل فيقول ابن القيم: (1) عن البلاد التي أنشأها المسلمون في عصر الإسلام.. لا يحق له أن يسمح لهم ببناء كنيسة وإن اشترط عليه أهل الذمة ذلك يصبح العقد بينهم فاسدًا. (2) أما عن حكم الكنائس المبنية في البلاد التي فتحها المسلمون عنوة مثل مصر، فلا يجوز أن يستحدث فيها شيء من الكنائس، أما ما كان فيها قبل الفتح فاختلف الأئمة حول تركه أو هدمه، فهناك قولان في مذهب أحمد ابن حنبل الأول يوجب إزالة تلك الكنائس، والثاني يجوز بناؤها. (3) وأما القسم الثالث وهو: ما فتح صلحًا، وهذا نوعان: الأول - أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها، لأن الدار لهم، كما صالح رسول الله أهل نجران، ولم يشترط عليهم ألا يحدثوا كنيسة ولا ديرًا، أما النوع الثاني - أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا، وبالتالي يكون فيه الحكم بإحداث أو بناء كنيسة يعود للمسلمين في هذه الحالة بالمنع والرفض أو الإجازة بالبناء }.

أما في موقع / الدرر السنية: فعن عَلَوي بن عبد القادر السَّقَّاف، يحدثنا عن هدم الكنائس من قبل خلفاء المسلمين، فيسرد التالي (فقد روى عبد الرزَّاق في "مُصنَّفه" عن عمِّه وهب بن نافع، قال: كتب عُمرُ بن عبد العزيز إلى عُروة بن محمَّد: أنْ يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدتُ عروة بن محمَّد ركِب حتى وقَف عليها، ثم دعاني فشهدتُ كتابَ عمر، وهدْمَ عروةَ إيَّاها، فهدمها. ورَوَى عن مَعمَر، عن إسماعيل بن أُميَّة، أخبره: أنَّه مرَّ مع هشام بحِدَّة، وقد أُحدثت فيها كَنيسة، فاستشار في هدْمها، فهدَمها هشام. وروَى عن الحسن البصريِّ قال: من السُّنَّة أن تُهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة).

وحول فتاوى هدم الكنائس، بيَّن الدكتور شوقي علام، مفتي مصر، أن دار الإفتاء المصرية اكتشفت وجود 3 آلاف فتوى تحرض على هدم الكنائس في مصر.. قال أبو الحسن الأشعريُّ: إرادة الكُفر كفرٌ، وبناء كنيسة يُكفَر فيها بالله كُفر؛ لأنَّه إرادة الكفر. الإمام محمَّد بن الحسن، صاحبُ أبي حنيفة، قال: ليس ينبغي أن تُترك في أرض العرب كنيسة، ولا بِيعة.. الإمام الشافعيُّ، قال: ولا يُحدِثوا في أمصار المسلمين كنيسةً، ولا مجتمعًا لصلواتهم. أي وجود إجماع تام بهدم الكنائس بين شيوخ الإسلام (فقد قال أبو بكر الطرطوشي: وأما الكنائس، فإنَّ عمر بن الخطاب أمَر بهدْم كلِّ كنيسة لَم تكن قبل الإسلام، ومنَع أن تُحَدَّث كنيسة، وأمَر ألاَّ يظهر علية خارجة من كنيسة، ولا يظهر صليبٌ خارج من كنيسة إلاَّ كُسِر على رأْس صاحبه. وقال السُّبكي: إنَّ بناء الكنيسة حرام بالإجماع، وكذا ترميمُها. / نقل من موقع طريق الإسلام).

القراءة:

ما ذكر هو غيض من فيض، ولكن المهم أن ما جاء من فتاوى وأحاديث ومرويات حول هدم الكنائس، لم يأتي من عدم أو من فراغ، لأن كل ما ذكر، استند إلى نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية! فمثلًا آية: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ 19 / سورة آل عمران) وآية (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ / سورة التوبة 29). هذين النصين دليل على أن رب القرآن يوصي بإلغاء أي دين عدا الإسلام. كذلك الحديث التالي يصب بهذا الاتجاه (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله.. / الحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر).

وعندما يحرم القرآن والأحاديث.. أي دين عدا الإسلام، فمن المؤكد أن تهدم أماكن العبادة الخاصة بهذا الدين، ألا وهي الكنائس.
من جانب آخر، وفي نظرة لبعض النصوص القرآنية نلحظ، هناك تضادًا وتقاطعًا ومن ثم تناقضًا، مثلًا: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.. / 256 سورة البقرة) و(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ / 82 سورة المائدة) و(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ.. / 48 سورة المائدة). فكيف لقرآن محمد أن ينص بأنه لا إكراه في الاعتقاد، وأن محمدًا جاء مصدقًا للكتب / للتوراة والإنجيل.. ويمدح كهنة المسيحية من القسس والرهبان، وكيف له بذات الوقت أن يهدم أماكن عبادتهم! فهذه أدلة دامغة على وجود تغيير في النهج القرآني، ودليل على أن القرآن يكتب وفق وضع وحالة وقوة بأس محمد، ووفق ظروف كل مرحلة.. فالنص يتغير حينما كان محمد ضعيفًا، فنراه مهادنًا، وعندما تقوى شوكته، يكون معاديًا!

ولو تركنا كل الموروث الإسلامي جانبًا، ومنه "حديث عبدالله بن عباس: (لا تكون قبلتان في بلد واحد) وفي لفظ: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) رواه أبو داود، وحديث عائشة: (لا يترك بجزيرة العرب دينان) رواه أحمد، وحديث أبي عبيدة ابن الجراح: (لا يبقين دينان بأرض العرب) رواه البيهقي. / نقل من موقع صيد الفوائد"، نلحظ أن كل ما سبق ذكره من آيات وأحاديث وفتاوى.. تؤكد من أن الموروث الإسلامي إجمالًا، يؤشر على أنه موروث ماضوي عدائي، كتب بزمن وظرف ومكان معينين، فهل يعقل ونحن في القرن 21، أن نطبق نهج ما نصت عليه نصوص غير متأكدين من كاتبها، أو من أحاديث لم نتيقن من قائلها!

ونحن في هذا المقام أود أن أسرد بعضًا من أحداث ووقائع هدم أو حرق الكنائس أو الاعتداء على المصلين في مصر، كمثال (في زمن العهد الملكي: حرق كنيسة الزقازيق في مارس 1947 م.. حرق الكنيسة القبطية بالحضرة بالإسكندرية في شهر أبريل سنة 1947 م.. في زمن أنور السادات: الاعتداء على جمعية النهضة الأرثوذكسية ب سنهور 1972.. قام المسلمون بحرق جمعية الكتاب المقدس في 6 نوفمبر عام 1972.. في سنة 19/3/1979 حرقت كنيسة قصرية الريحان بمصر القديمة، التي تعتبر من الآثار المسيحية الهامة لأقباط مصر، حيث أتت عليها النيران بالكامل ولم يبق منها شيئًا.. في زمن حسني مبارك: إحراق كنيسة بورسعيد.. أواخر شهر يوليو 1990، إحراق كنيسة مار جرجس، مركز منيا القمح / محافظة الشرقية 15/4/1990.. حريق كنيسة الأنبا أبرآم، بالعزب، الفيوم في 19/4/1996.. والقائمة تطول. وهناك انتهاكات كثيرة، في زمن محمد مرسي وعبد الفتاح السيسي، لا مجال لذكرها / نقل باختصار من موقع موسوعة تاريخ أقباط مصر).. هذا مجرد بعضًا مما ذكر من الاعتداءات على أماكن عبادة أقباط مصر.. ومن جانب آخر، جهل المسلمين وجود آية (وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ / 190 سورة البقرة).. لكن الكثير من النصوص القرآنية لا تتبع، فقط سردت بحقبة معينة ومكان محدد، لبيان أن الإسلام أنه دين تسامح!

إضاءة:

لو وضعنا كل ما سبق في جانب / من قرآن وأحاديث وسنن وفتاوى.. وجادلنا محور واحد: حيث أن وفق المعتقد الإسلامي، أن القرآن هو كلام الله، وأن أحاديث محمد هي من الله أيضًا، وذلك وفق النص القرآني: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى / سورة النجم: 3، 4﴾، أي أن كلام محمد موحى به! وتفسير ذلك "على حجيَّة السنَّة؛ لأنَّ الآية في نظرهم عامَّة لكل ما يَنطق به الرسول، سواء كان قرآنًا أو غيـرَ قرآن. / نقل من موقع الألوكة". أي أن كل عمليات هدم وحرق الكنائس ترجع إلى قرآن محمد وأحاديثه. من جانب آخر، أن فتاوى الفقهاء والأئمة أيضًا، مستندة بذات الوقت، على قرآن وأحاديث وسنن محمد. نخلص من كل ذلك أن هدم أو حرق أو عدم تشييد الكنائس وفق المعتقد الإسلامي، هي من الله / لأن قرآن محمد وأحاديثه وسننه هي موحى بها!
وهنا من الضروري أن نتساءل، أن المسيحيين هم عباد الله، ومكرمين قرآنيًا "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ.. (55) / سورة آل عمران"، وأن المسيح له مكانة عظيمة، وفق النص القرآني (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ / 171 سورة النساء)، فكيف أن يكون المسيح الذي هو كلمة الله وروح منه، وأتباعه مكرمين، والله ذاته يلاحق أتباعه، ويأمر المسلمين، بهدم وحرق كنائس المسيحيين.. من ذلك، أرى أن معظم الموروث الإسلامي / قرآن وأحاديث وسنن، نهجه موجه، لإلغاء الآخر..

خاتمة:

خلاصة الوضع، أن الموروث الإسلامي معظمه، ظلامي تكفيري ومتناقض، وما سرد في أعلاه، هو جزء يسير من حقيقة هذا الموروث، الذي غايته إلغاء كل ما هو غير إسلامي! وللعلم أن "معظم ما ذكر مخفي عن العامة، أما المعلن عنه، فهو موروث كله تسامح وإخاء".. واللبيب من الإشارة يفهم.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.