الإسلام والانسلاخ كهرطقة عن المسيحية

هل كان الإسلام في بداياته دينًا مستقلًا تمامًا، أم انسلاخًا عقائديًا عن المسيحية واليهودية؟ قراءة تاريخية ولاهوتية في رؤية يوحنا الدمشقي، وفي النصوص التي يستند إليها الطرح حول جذور الإسلام وعلاقته بالعقيدة المسيحية.
قبل 2 ساعة
الإسلام والانسلاخ كهرطقة عن المسيحية

تنويه:
هذا البحث المختصر مبني على كتاب "الهرطقة المئة للقديس يوحنا الدمشقي"، الذي قرأت ملخصًا مقتضبًا لفكرته. وبذات الصدد، كنت قد تناولت بحثًا كتبته قبل أكثر من عقد من الزمن لموضوع يتوافق، ببعض نواحيه وبشكل أو بآخر، مع نهج الكتاب، قبل أن أطلع على الكتاب في حينه. والمقال كان معنونًا: "قراءة في نص: المسيح كلمة الله بين المسيحية والإسلام"، والمقال منشور في الحوار المتمدن بتاريخ 25.07.2016.

الموضوع:

نبذة عن القديس يوحنا الدمشقي، نقلًا باختصار وبتصرف من موقع شبكة الإلحاد العربي: { وُلد يوحنا منصور بن سرجون عام 676م في دمشق، وتوفي عام 749م، أي أثناء حكم الدولة الأموية. كان والده وزيرًا، وهذا الأمر مهم جدًا، لأنه يعطينا انطباعًا عن شكل الخلافة الإسلامية الأولى. فمن الواضح أن الدواوين ظلت تعمل بالطريقة نفسها التي كانت عليها أثناء الدولة البيزنطية، وأن عصابات المسلمين اكتفت بالجلوس على العرش وجمع الجزية وبناء المساجد مكان الكنائس، ومشاكسة المسيحيين واليهود. ورث يوحنا وظيفة أبيه، وبالتالي كان على علاقة بالخلفاء الأمويين، ثم تحول إلى الرهبنة في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان }.

ما يهمني في هذا الصدد مؤلفه "كتاب ينبوع المعرفة"، الذي يحتوي الجزء الثاني منه على "الهراطقة"، وهو ملخص لمئة من الهرطقات المسيحية في ذلك الوقت. والظريف أن يوحنا الدمشقي أفرد الفصل الأخير، وهو "الهرطقة المئة"، للحديث عن وجهة نظره في الإسلام. وبالتالي فإن هذا الجزء من الكتاب يعتبر من أوائل الأعمال عن الإسلام التي تأتينا من شخص غير مسلم. عندما يتحدث يوحنا عن الإسلام، فإنه يتحدث عنه كهرطقة من هرطقات "الإسماعيليين". وقد يعطينا هذا انطباعًا بأن الإسلام البدائي لم يَرَه الناس على أنه دين جديد، بل عبارة عن تعديل على اليهودية والمسيحية بهوية إسماعيلية. نقل بتصرف من المصدر السابق نفسه.

ومن موقع Linga، أسرد مقتطفات، وبتصرف، من مقال للسيد صباح إبراهيم يصب في ذات الصدد: { يعتبر يوحنا الدمشقي الإسلام بدعة ابتدعها محمد، أو هرطقة جديدة تضاف إلى هرطقات النصارى الأبيونيين، أتباع أريوس وورقة بن نوفل. حيث أخذ الإسلام من اليهود وحدانية الله، وأخذ من الأريوسيين أن الكلمة والروح مخلوقان، وأخذ من النساطرة إنكار لاهوت المسيح. مزج محمد كل هذه الأفكار، وأنتج بدعته وهرطقته الجديدة، وهي الإسلام. وكانت مصادره مزيجًا من اليهودية والنسطورية والآريوسية، وأنتج من كل هذا الخليط دينًا جديدًا أسماه الإسلام }. ويسترسل كاتب المقال فيبين: { ويكمل يوحنا حواره مع المسلمين فيقول: أنتم المسلمون تقولون إن المسيح كلمة الله وروحه. ونحن نسألكم: إن كان المسيح كلمة الله، فالكلمة تنبع من عقل صاحبها، والكلمة بنت العقل. وإن كان المسيح روح الله، فالروح لا تنفصل عن ذات الله وكيانه، وإلا أصبح كيانًا ميتًا بلا روح ولا حياة، وهو منبع الحياة. الكلمة والروح في داخل ذات الله وليس خارجًا عنه، أي أنهما أزليان بأزلية وجود الله }.

قبل الانسلاخ:
كانت بعض نصوص القرآن قريبة الشبه ببعض نصوص الأناجيل، مثل: أن المسيح كلمة الله، التي تمثل نوعًا من الانسجام العقائدي والديني مع المسيحية، بشكل أو بآخر: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ" سورة آل عمران. و"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ..." سورة النساء 171. وهي تشابه النص الإنجيلي: "في البدء كان الكلمة... وكان الكلمة الله" من إنجيل يوحنا.

كذلك هناك نصوص قرآنية تؤشر إلى أن المسيح، عيسى، توفي، ولكن من جانب آخر لا نعرف حيثيات وفاته، ثم رُفع للسماء، مع علو أتباع المسيح فوق الكافرين: "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" سورة آل عمران 55. هذه بعض النصوص التي توافق بها كاتب القرآن مع نصوص الأناجيل.

المرحلة الأولى للانسلاخ:
في هذه المرحلة بدأ وضع محمد يتغير، من الضعف إلى القوة، وأيقن أن لا أحد من اليهودية والمسيحية يعترف به كرسول، فتغير نهج محمد للدفع بأسلمة القبائل: "أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللهُ، ويُقِيمُوا الصلاةَ، ويُؤْتُوا الزكاةَ، ثم حُرِّمَتْ عَلَيَّ دماؤُهم وأموالُهم، وحسابُهم على اللهِ". خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح، رجاله ثقات. الراوي: أبو هريرة.

ثم جعل قومه هم الأعلون دون الآخرين: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" سورة المائدة 51. هنا انتهى عقد المساواة بين القبائل، وتم فرض الجزية على غير المسلمين: "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" سورة التوبة 29.

أما النص القرآني: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ" سورة آل عمران 19، فهو ألغى كل دين عدا الإسلام. وبذات الوقت، اعتبر محمد نفسه خاتمًا للرسل: "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ، وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" سورة الأحزاب 40. والقائمة تطول نصوصًا وأحكامًا تناقض إيمان عقائده السابقة.

إضاءة عن الانسلاخ:
بعد رفض المسيحيين واليهود الانتماء إلى محمد كزعيم ديني وقبلي قرشي، وبعد زيادة الزخم القبلي لمحمد، وبذات الوقت تأييد بعض القبائل له، وبعد تعاظم ثروة وجاه محمد نتيجة الغزوات، أحس محمد أنه لا بد له أن ينسلخ من العقائد والتعاليم والأفكار المسيحية في بواكير دعوته، وأيضًا عن اليهودية، ليستقل زعامة وعقيدة بحد ذاته.

واقتنع محمد بأنه لا بد له أن يستقل بعقيدة جديدة مستقلة، وظف بها جذبًا وإغراءً جنسيًا لا يوجد لدى ما كان معروفًا يهوديًا ومسيحيًا. فهناك، وفق عقيدة محمد، حور عين: "وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" سورة الواقعة 22 إلى 24. وجنة تجري منها أنهار من خمر ولبن: "وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ" سورة محمد 18.

ودفع أتباعه للموت بنصوص مثل: "إنَّ للشهيدِ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ سِتَّ خِصالٍ... ويُزَوَّجَ من الحُورِ العِينِ... ويُزَوَّجَ ثِنتَينِ وسبعينَ زوجةً من الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سبعينَ إنسانًا من أقاربِه". الراوي: عبادة بن الصامت.

هنا، انسلخ محمد تمامًا عن عقيدة القس ورقة بن نوفل، الذي زوّجه خديجة بنت خويلد، ابنة عمه، بطقس مسيحي، والذي فتر الوحي بموته. كذلك انسلخ مما كان يتلقاه من بحيرى الراهب، ومن عداس النصراني. وعداس هو الغلام المسيحي الذي التقى بالنبي في بستان في الطائف بعد واقعة الاعتداء على النبي، فاتهمته قريش بأنه كان وراء تعليم النبي نصوص الكتب المقدسة. نقلًا من موقع كروم دوت كوم.

وكذلك عما نُقل من قراءة الكتب المقدسة لجبر النصراني. وقال ابن إسحاق: "كان النبي، فيما بلغني، كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصراني يقال له جبر، عبد بني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب. فقال المشركون: والله ما يعلم محمدًا ما يأتي به إلا جبر النصراني". نقلًا عن مشروع المصحف الإلكتروني لجامعة الملك سعود.

ختام:
إن أكبر دليل على أن الإسلام بدايته مسيحية بهوية إسماعيلية، هو اعتراف القرآن بأن "المسيح كلمة الله وروح منه"، والكلمة والروح لا تنفصلان عن الجسد. وهذه الحقيقة تعتبر من أساسيات العقيدة المسيحية.

مما سبق، كانت نبذة مختصرة عن الانسلاخ الذي حصل في إسلام وعقيدة قرآن محمد، كهرطقة من المسيحية، إلى إسلام اليوم.

شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا
التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهو ليس بالضرورة رأي الموقع
التعليق بصفة ضيف.
لا يوجد تعليقات بعد.