بقلم: حنين عبيد 

"باطل الأباطيل قال الجامعة... ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس. دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة الى الأبد..... ما كان فهو ما يكون والذي صنع فهو الذي يصنع، فليس تحت الشمس جديد ". ( الجامعة الإصحاح الأول ).

" ليس اني قد نلت او صرت كاملاً، ولكنني اسعى لعلي ادرك الذي لأجله قد ادركني ايضاً المسيح يسوع... ولكنني أفعل شيئاً واحداً  اذ انا انسى ما هو وراء وامتد الى ما هو قدام. اسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع ". (فيلبي 12:3).

انها حقاً مقارنة ومفارقة عظيمة بين شخصيتين بارزتين في الكتاب المقدس، سليمان الحكيم وبولس الرسول. سليمان الملك، الذي اشتهر وعرف بحكمته الفائقة، وغناه الفاحش. وكانت مملكته من أعظم الممالك، حتى ان ملكة سبأ عندما زارته، " لم يبقى فيها روح " بعد كل ما رأت وسمعت. هذا الملك الذي وصل القمة في كل شيء، نراه يفتتح سفر الجامعة بالكلمات التي لربما تصدمنا للوهلة الأولى وتثير تساؤلنا :" باطل الأباطيل ". ونرى تكرار كلمة باطل في الإصحاح سبع مرات. وحقاً انه امر مدهش. ما الذي دفعك يا سليمان لتقول هذا الكلام، وانت تتنعم بكل ما يتمناه المرء؟ لماذا اصبح كل شيء باطل، بل باطل الأباطيل؟

لو بحثنا في اعماق قلب سليمان، لاكتشفنا مشكلة سليمان الأساسية والجذرية، الا وهي : "فقدان الهدف والمعنى ".  لم يكن لدى هذا الملك العظيم هدف واضح في حياته، لم يكن له وجهة نظر نهائية وتحقيق لغاية سامية. "عينه لم تشبع من النظر واذنه لم تمتلاْ من السمع". كل مر كان له حلو، لأن نفسه كانت جائعة، وقلبه كان بئراً مشققاً لا يضبط ماء. كان يبحث عن الهدف في كل شيء حوله، لكنه نسي ان ينظر الى فوق، الى مصدر كل شيء، منبع الحياة ومعطي الهدف والرجاء لنفسه. الشمس تشرق وتغرب، يوم يجيء ويوم يمضي، لكنه لم يكتشف هدفه. آه يا سليمان، لو انك اتضعت، وتذكرت ان مصدر حكمتك، وقوتك، وغناك، هو خالقك وخالق كل الكون، وانك بدونه لا شيء، حتى لو فكرت انك كل شيء. كنت تصوب، وكل سهامك كانت طائشة، لم تصب الهدف، فصرخت في نهاية كل ذلك :" الكل باطل وقبض الريح ". فلو تمتعنا بكل القدرات والمواهب والموارد، لكن لم يكن لدينا هدف واضح للتوجه، فكله يصبح باطل.

اما على الطرف النقيض، نرى شخصية بولس الرسول، وهي من أعظم الشخصيات التي عرفتها المسيحية، فقد ساهم بولس في نشر المسيحية في كل ارجاء الإمبراطورية الرومانية. ما السر الذي امتلكه بولس يا ترى؟؟ نكتشف ذلك من خلال كلماته في رسالته الى اهل فيلبي: "ولكنني افعل شيئاً واحداً". لقد امتلك بولس الرؤيا الواضحة، العزم والتصميم، امتلك الهدف. وهذا كان الفارق، والشيء الذي اثر في حياته وتعليمه. وضع المسيح في المرتبة الأولى فوق وقبل كل شيء، صمم ان ينسى كل ما مضى، حتى الأمجاد في الماضي، وينظر الى الأمام، الى قائده يسوع، هدفه وجعالته العليا، حسب كل شيء نفاية من اجل معرفة المسيح، ما كان له ربحًا حسبه خسارة، كان قلبه واحشاءه واهدافه كلها مكرسة لمجد الهه.

حقًا ان معرفة الهدف تعطي المعنى لحياتنا، تبسطها، تجعلنا اكثر تركيزًا، تحفزنا، تؤهلنا للأبدية "اننا لم نوضع على الأرض ليتذكرنا أحد، لكننا وضعنا لنتأهل الى الأبدية ".

احبائي، ان أعظم مأساة ليست هي الموت، وإنما الحياة بدون هدف ". وما أجمل اليوم الذي سنقف فيه أمام المسيح ونقول بكل يقين مع بولس: اتممت العمل، وأكملت السعي، حقاً لقد أصبت الهدف " !!.  ونحن نقترب الى طي سنة وإستقبال سنة جديدة، وكل واحد منا لديه أهداف وطموحات يود وسيعمل على تحقيقها. لكن دعونا نركز على هدفنا الأسمى قبل أي هدف آخر، ونهتف مع بولس في نهاية هذا العام : " لكنني أفعل شيئاً واحداً، اذ انا انسى ما هو وراء وامتد الى ما هو  قدام، اسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع".