إن عقاب الصلب لم يكن فقط في فترة الرومان، بل سنين كثيرة قبل ذلك. أول من صلب في العهد الاول هو رئيس الخبازين في زمن يوسف ابن يعقوب، بحسب القصة التي وردت في تكوين اصحاح 40، حيث تقول القصة ان رئيس الخبازين ورئيس السقاة "أذنبا إلى سيدهما ملك مصر"، فوضعهما فرعون في حبس بيت رئيس الشرط الذي كان يوسف مسجونا فيه، وهو سجن خاص لمن أذنب من السلطة الحاكمة.

تقول القصة ان كلا منهما حلم حلما، واستطاع يوسف تفسير حلميهما، فكانت النتيجة أن فرعون أفرج عن رئيس السقاة وأعاده إلى وظيفته أمام الملك، بينما صدر حكم الصلب على رئيس الخبازين، بالضبط بحسب ما فسر لهما يوسف.

ويأتي السؤال: ما دام الاثنان ارتكبا خطأ، فلماذا حُكم على الواحد بالصلب بينما أطلق الآخر حرا؟! قد تكون لذلك أسباب كثيرة، ومهما طرحنا أسبابا جائزة فليس من المضمون أن يكون طرحنا صحيحا، وهذا بالطبع أمر طبيعي. إحدى الإجابات الواردة أنه ليس بالضرورة أن إطلاق الساقي يعني أنه ليس مذنبا، وقد ينال عقابه من الله إن آجلا أم عاجلا، هذا في حالة عدم توبته عن فعلته أو أفعاله.

من الناحية الأخرى فتكملة قصة يوسف تحكي لنا أن الساقي تذكر يوسف وكيف فسر له الحلم بعد أن تعسر تفسير حلم فرعون على سحرة وحكماء مصر، وكان هذا سببا في إطلاق يوسف من السجن وارتقائه إلى منصب الحاكم الثاني بعد فرعون على كل أرض مصر، فتكملة القصة تكمل لنا شيئا فشيئا الصورة الأكبر والأوسع في خطة الله لأولاده وإرادته الصالحة، المرضية والكاملة لهم.

قد نرى صورة مشابهة للّصين على الصليب، فالاثنان أذنبا وحُكم بالصلب عليهما، ولكن واحدا غُفرت خطاياه والآخر، على ما يبدو، مات بإثمه دون توبة. هنا نلاحظ أن الصورة أوضح في سبب خلاص هذا وهلاك ذاك، وهو عامل الايمان بالمسيح كونه ابن الله والتوبة عن الخطايا.

في كلتا القصتين نلاحظ أن صلب الواحد أدى إلى إطلاق الآخر، تماما كما كان تسليم يسوع للصلب سببا في إطلاق باراباس، مع أنه مذنب ويستحق الصلب، ولكن أحدا آخر أخذ عنه العقاب.

ويعود السؤال: كيف يُطلَق المذنبون أحرارا بينما مقصلة الموت محكومة عليهم، ويتبعه السؤال العكسي: كيف يُصلب بريء كالمسيح، الذي صنع كل خير وشفى جميع المتسلط عليهم إبليس، الذي لم يستطع أحد، حتى ممن صلبوه، أن يبكته على خطية أو يثبت تهمة تستحق الموت ضده؟!

الأمر الذي قد يتفق عليه الجميع، أن البشر خطاة كلهم، فالجميع أخطأوا لا بل بالخطية حبلت بنا أمنا! فدم الخطية سرى في عروقنا بعد عصيان وخطية أبينا آدم، وكانت هناك حاجة إلى "آدم الثاني" كي يدفع ثمن هذه الخطية للتكفير عنها، وهذا ما فعله المسيح رب المجد.

قد يستغرب البعض من تمسك المسيحيين بقصة صلب المسيح كما وردت في الكتاب المقدس بالاناجيل الأربعة، وعلى الرغم من تأكيد "معارضي قضية صلب المسيح" أن المسيح هو نفخة من روح الله، كذلك لقّن التعاليم الصالحة وصنع المعجزات والآيات، لا بل هو ديان العالمين، كما ويؤكدون انه صعد للسماء وما زال حيا إلى الآن، إلا أن قصة الصليب يبعدونها، ربما من منطلق أنه غير مستحق لعقاب الصليب، فكيف يُصلب نبي أو شخص بهذه الصفات والقوة والسلطان؟!

على الرغم من كل ذلك فالكتاب المقدس يؤكد حادثة صلب المسيح بأناجيله الأربعة، مع أنه لم يخطئ، فحكم الكتاب على كل مصلوب هو اللعنة، إذ يقول "ملعون كل من عُلّق على خشبة" (غلاطية 3: 13)، والمنطق البشري يقول إنه من الأسهل كثيرا أن الكتاب لا يؤكد أو حتى لا يروي هذه الحادثة، كون الصليب هو عقاب المذنب وليس البريء، وكونه عار ولعنة لمن يعلّق عليه، فكيف يُصلب المسيح البريء من كل ذنب وكيف يجرؤ المسيحيون والكتاب المقدس أن يذكروا قصة كهذه؟!

لقد حاول بطرس، بنفس هذا المنطق البشري، أن يقنع المسيح ألا يذهب للصليب، قائلا: "حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا" (متى 16: 22)، ولكن المسيح صدّه بحجة أن بطرس "لا يهتم بما لله بل بما للناس"، والمسيح كان شغله الشاغل "الاهتمام بما لله" ولمشيئة الله وتحقيق العدالة بأن عقاب الخطية والموت يقع على المسيح، المنزّه عن كل إثم أو خطية!

نعم – كلنا أخطأ ومولودو الخطية نحن، وعقاب الصليب واقع علينا جميعا، وكي ننجو منه كان لا بد أن يكون هناك "الخباز" الذي يموت بدلا عنا، كان لا بد أن الله، الذي يحبنا نحن خليقته، يعد لنا طريقا للنجاة من هذا العقاب النازل علينا، ولكن كيف يخلصنا؟ أبدم التيوس والعجول الذي لا يكفي ليكفر عن خطية بشر مثلنا كونهم حيوانات، لا بل بدم ولحم إنسان مثلنا، ولكن كيف يفدي الانسان أخاه الانسان وكيف يقدر أن يخلصه وهو نفسه بحاجة للخلاص والتطهير؟!

لا بد أن "المخلص" يكون بصورتنا نحن البشر، بدم ولحم، ولكن بلا خطية، وبالتالي يستطيع أن يقدم القربان بذبيحة نفسه بدلا عنا جميعا، ولكن من يستطيع أن يكون بهذه الصفات مجتمعة معا؟! فكلنا خطاة وأثمة، ومن هو مستعد أو يقدر أن يموت من أجل الآخر، ومن له هذا السلطان وهذه الصلاحية والمصداقية أن يقدم نفسه كفارة عن كل البشر؟!

للأسف، لا يوجد من يوفي بكل هذه الصفات والصلاحيات معا من بني آدم خليقة الله، ولذلك "اضطر" الله أن يوجد حلا، فهو كلي القدرة أتى بصورة البشر خليقته، ف"الكلمة صار جسدا وحل بيننا"، ثم يتابع يوحنا ويقول "كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا"، فالمسيح أخذ صورة إنسان مثلنا، "كما لوحيد من الآب"، وظهر بصورتنا، وهذا هو الشرط الأول، وكونه الله المتجسد فهو لا يخطئ، أي كامل بلا خطية، وهذا هو الشرط الثاني، وبقي الشرط الثالث: أن يأخذ عقاب الصلب عنا جميعا نحن خليقته، فهو الله المتجسد ذو الصلاحية المطلقة أن يفعل ذلك وينوب عن خليقته بالفداء.

نعم - عقاب الصليب هو لمن أخطأ، وعندما نتحدث عن المسيح الذي لم يخطئ من جهة، وصُلب من جهة أخرى، فالذي أخطأ هنا هو نحن، وبدل أن يقع عقاب الصلب واللعنة علينا وقع كل هذا على سيدنا المسيح، من فرط محبته لنا، وبالتالي أصبح "الدخول إلى الأقداس" والاقتراب إلى الله متاحا لكل من يؤمن ويقبل عمل المسيح الكفاري في حياته.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا