ارتبطت المسيحية بالشرق الأوسط منذ نشأتها. في أنطاكية سُموا مسيحيين للمرة الأولى. ليس الأمر متعلقا فقط بالدور الذي لعبه الرعيل الأول من رجال يهود وغيرهم من المنطقة في نشر المسيحية في أرجاء الإمبراطورية الرومانية. ظل مسيحيو المشرق يلعبون دورا هاما على مدى قرون. يحفظ التاريخ المسيحي أسماءهم ولو نسيتها المنطقة. 

أربعة من المراكز الخمسة الأهم في مسيحية القرون الأولى بالمشرق كانت: الإسكندرية، القسطنطينية، أنطاكية، والقدس. في عنابة بالجزائر كتب أوغسطينوس كتابه الأشهر مدينة الله، في كبادوكيا برز باسيليوس و أخوه غريغوريوس. مصر لعبت دورا محوريا في القرون الأولى. في الإسكندرية تشكلت مدرسة لاهوتية بقيادة أوريجانوس، ووقف بابا الإسكندرية إثناسيوس أمام العالم مدافعا عن العقيدة.

يقدر عدد سكان تركيا بنحو 80 مليون نسمة بينهم حوالي 120 ألف مسيحي، أي أقل من نسبة واحد بالمائة من مجموع السكان. ثمة ارتباط بين ما هو تركي وما هو إسلامي. فمكانة المواطن الحقيقي هو المسلم أما غير المسلمين فهم محل تشكك. لا يتمتع المسيحيون بنفس الحقوق. طبعا لا يمكن الحديث عن تعقب للمسيحيين في تركيا، غير أنهم لا يتمتعون بالحقوق الكاملة خاصة فيما يتعلق بالأمور ذات صلة بالحرية الدينية.

تآكل حجم هذا المكون باضطراد منذ سقوط دولة بيزنطة الشرقية على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453، وكشف أنّ "الآشوريين والأرمن هم السكان الأصليون لتركيا ولم يهاجروا إليها، وعددهم اليوم يقترب من 130 ألفا يشكل السريان منهم نحو 25 ألفا".

ومنذ مطلع الألفية الثالثة يستهدف مسيحيو تركيا بهجمات واغتيالات باتت تهدد وجودهم الديني، فقد قتل اغتيل القس الإيطالي الكاثوليكي أندريا سانتورو في مدينة طرابزون على البحر الأسود عام 2006، كما طعن قس كاثوليكي إيطالي آخر في عام 2007.

وشهد نفس العام هجوما على دار نشر إنجيلية تدعي زيرفه في مدينة مالاتايا قتل فيه 3 مسيحيين يعملون فيها. ويبدو أن عام 2007 استمر مشؤوما على مسيحيي تركيا، حيث قُتل الصحفي الأرمني التركي المعروف هرانت دينك في اسطنبول على يد مسلم متعصّب مسلح.

إلا أنّ هذه الهجمات لا تلغي حقيقة أن المسيحيين يتمتعون بحرية العبادة وإقامة الشعائر في هذا البلد وهو ما أكده الناشط صبري الخان لكنه استدرك قائلا: "لغتنا هي الآرامية، ومنذ عام 1923 يُمنع المسيحيون من دراسة وتعلم الآرامية في مدارسهم وكنائسهم، وإذا استمر هذا المنع فيسكون مصير اللغة الأم الموت.

ويأتي هذا الموقف في وقت يعيش فيه مسيحيو الشرق الأوسط محنة حقيقة في ظل تعاظم المد الإسلامي المتشدد، وقد استقبلت تركيا الإردوغانية الإسلامية نحو مليون ومائتي ألف نازح من سوريا والعراق فيهم عدد كبير من المسيحيين والإيزيديين وآوتهم، وهو أمر دفع بابا الفاتيكان فرانسيس الى الإشادة بالاستقبال التركي للنازحين المسيحيين، وتعزز هذا بزيارته لتركيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 والتي دعا فيها الى دعم تعايش الأكثرية المسلمة مع الأقلية المسيحية داخل البلد.

الخبير في شؤون الأديان فالتر فليك من المنظمة العالمية لحقوق الإنسان في ألمانيا وفي لقاء مع دويتشه فيله نُشر بالإنكليزية عشية زيارة بابا الفاتيكان إلى تركيا أشار الى أنّ المسيحيين الذين يشكلون أقل من واحد في المائة من مجموع السكان في تركيا "ينظر إليهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، فالمواطن الحقيقي هو المسلم، وتحوم الشكوك دائما حول غير المسلمين في البلد.

مؤخرا وفي هذا العام، في السّادس من شهر آذار الماضي تعرّضت كنيسة القدّيسة مريم العذراء في حيّ كيميركايا في ترابزون لاعتداءٍ حوالي السّاعة السّادسة والنصف مساءً. وقد ذكرت جريدة “أغوس” التي تصدر كلّ 15 يوم في إسطنبول، أنّه بحسب المعلومات قام رجلٌ بعمر الأربعين سنة بإطلاق النار نحو شبابيك مرأب الكنيسة. وبعد الاعتداء تمّ توقيف أحد المشتبه بهم. وأيضًا في التاسع من شباط 2018، تمّ رمي مدافع ناريّة ضخمة إلى حديقة الكنيسة بشكلٍ غير مبرّر. فتمّ اعتقال خمسة أشخاص انتهت الشرطة بإطلاق سراحهم!

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا