
2. الإمبراطورية البيزنطية بين 324 – 638
بعد سنوات طويلة من الفوضى أخذت الإمبراطورية الرومانية في التفكك وبدأت أسسها المادية تنهار بفعل الحروب الأهلية الطويلة والهجمات الخارجية المتكررة. وبعد أن كانت تلاحق المسيحيين وتقتلهم تعرضت دعائم الإمبراطورية الفكرية والروحية إلى غزو موجات جديدة من الأفكار والإيمان المسيحي.
وقد اعتلى العرش القيصر قسطنطين عام 306م مع إمبراطور آخر، ولكنه أصبح حاكمًا وحيدًا على الإمبراطورية بين 324 – 337م؛ هذا القيصر أظهر التسامح للمسيحيين ومنحهم عطفه، وكان قد أصدر أمرًا ملكيًا في عام 313م سُمّي "مرسوم ميلانو" يقضي بإضفاء الشرعية على الديانة المسيحية، لتصبح فيما بعد الديانة الرسمية الأولى للإمبراطورية المهيمنة على المنطقة (لاحقًا، في القرن الثامن عشر، سميت بالإمبراطورية البيزنطية1 على يد الفيلسوف الفرنسي مونتسكايه، وأصبحت تُعرّف بهذا الاسم) وتُظهر الخارطة التالية باللون الأزرق المائل للأخضر المملكة البيزنطية المتحولة من الديانة الوثنية إلى الإيمان المسيحي.
وفي هذه المرحلة الزمنية أصبح المسيحيون الأغلبية في الشرق الأوسط وقام قسطنطين ببناء كنيسة القيامة في مدينة أورشليم.
وتم في عهد الإمبراطورية البيزنطية إنشاء الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الشرقية، لتصبح الكنيسة الأكبر في الشرق الأوسط، حيث قام بضم أملاك كثيرة وواسعة من الأراضي لأملاك الكنيسة.
طبعًا، لم يصبح المسيحيون الأكثرية في لمحة بصر! بل انتشرت المسيحية وتوغلت رويدًا رويدًا حتى أقصى أطراف الإمبراطورية الرومانية وانتصرت على جميع الديانات المختلفة في الشرق الأوسط وعلى الديانات اليونانية والرومانية القديمة في الوقت الذي كانت فيه تتضاءل الحضارة الرومانية كلما بعدت المسافة عن روما. لكن في القرن الثالث حصل تغلغل ديني واقتصادي داخل الولايات اللاتينية بصورة سريعة شهدت نهاية الحضارة اليونانية اللاتينية.
وقد تطورت الكنيسة المسيحية في سورية التاريخية2 من ناحية لغوية في اتجاهين، الاتجاه اليوناني على الساحل وفي المدن التي تأثرت بالهلينية والاتجاه السرياني في الداخل، ومع انتشار المسيحية في القرن الثالث فرضت السريانية نفسها. وقد أشار التحول عن اليونانية والعودة إلى الآرامية في العصر البيزنطي إلى اليقظة الجديدة بين السوريين، وكان تجدد الاهتمام باللغة السامية القديمة دليلًا على إحياء للوعي القومي كما كان رد فعل ضد الوثنية.
ولما كان السوريون يعرفون عدة لغات فقد اهتم المحامون باللغة اللاتينية، أما الذين عكفوا على دراسة الفلسفة فتعلموا اليونانية، ولكن بقيتهم وخاصة الذي وجدوا خارج المراكز ذات الصفة العالمية فإنهم تمسكوا باللغة الآرامية السريانية، اللغة الوطنية.3
وفي الوقت التي تطورت فيه الكنيسة السورية كانت الكنيسة القبطية في مصر تنمو وتتسع، والكنيسة القبطية التي تعود بجذورها التاريخية إلى الفراعنة المصريين تمسكت بلاهوت الطبيعة الواحدة حتى يومنا هذا، وكان المصريون يتحدثون اللغة القبطية حتى بعد احتلال المسلمين لبلادهم بعدة قرون، وما زلنا نسمع بعض الكلمات القبطية في اللهجة المصرية المعرّبة إلى يومنا هذا.
ويذكر التاريخ الأنباط الذي قطنوا شرقي الأردن وهناك جدل حول جذورهم، فمن المؤرخين من أكد قوميتهم الآرامية ومنهم من أكد عربية لغتهم وآرامية كتابتهم ويونانية رومانية فنونهم وهندستهم المعمارية، هؤلاء اعتنقوا المسيحية في القرن الثالث ومن ثم اعتنقوا الإسلام في القرن السابع4.
أما الغساسنة العرب الذين هاجروا في بداية القرن الثالث الميلادي من اليمن واستقروا في جنوب سوريا، هؤلاء أيضًا أصبحوا مسيحيين خلال القرن الرابع على المذهب الكنيسة اليعقوبية التي تؤمن بالطبيعة الواحدة لكلمة الله المتجسد (منشقين عن الكنيسة الشرقية التي تؤمن بمبدأ الطبيعتين)، وكانوا موالين للروم على الدين المسيحي حتى معركة اليرموك التي وقعت بين المسلمين والروم والتي انتصر فيها المسلمين ودخلوا الشام، بعد هذه المعركة انضم الغساسنة إلى حلف المسلمين واعتنق غالبيتهم الدين الإسلامي وكان لهم دورًا لاحقًا في جيوش المسلمين، بل كانوا بمثابة مقدمة للأحداث الضخمة التي حصلت في المنطقة.
ويقول المؤرخون ومن بينهم الباحث السرياني هنري بدروس كيفا أن نسبة المسيحيين الغساسنة كانت قليلة جدًا بالنسبة إلى السريان الآراميين سكان الشرق قبل دخول العرب المسلمين.
---
الحكم العربي المبكّر بين 638 – 1099م
استطاع العرب المسلمون التغلب على البيزنطيين المنهكين أصلًا من الحروب المستمرة مع الفُرس، وفرضوا الجزية على المسيحيين الذين كانوا يتكلمون اللغة الآرامية السريانية واليهود والسامريين، وبدأ العرب المسلمون البدو الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية مع عائلاتهم بالاستيطان في الشرق الأوسط بأعداد كبيرة.
ومع الاحتلال العربي هرب الكثير من المسيحيين البيزنطيين من البلاد خوفًا على حياتهم، وقُتل الكثير من الذين بقوا في بيوتهم، ومع هذا لم يُجبر الاستعمار العربي السكان المسيحيين في بداية حكمهم على اعتناق الإسلام لأن الضرائب والجزية كانت أكثر أهمية بالنسبة إليهم، لكنهم عملوا على تبديل اللغة السائدة إلى اللغة العربية، واعتمد المسيحيون تدريجيًا لغة وثقافة المستعمر.
وبدأت عملية الأسلمة للسكان المحليين في أواخر القرن السابع أو بداية القرن الثامن الميلادي، ولهذا يؤمن المسيحيون في غالبية بلاد الشرق الأوسط أن أبناء وطنهم من المسلمين هم جزء لا يتجزأ من شعبهم.
وإذا دققنا في شعوب المنطقة سندرك أن العرب البدو الغزاة لا ينتمون للشعب الأصلي المسيحي ولا للمسيحيين المتحولين إلى الإسلام المعروفون اليوم بـ "العرب"، ولكن مع الوقت اختلط دم المسلمين مع البدو العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية بسبب الزواج المتبادل، فانصهروا في بعضهم البعض؛ أما المسيحيون فما زالوا على أصولهم وجذورهم العرقية لعدم اختلاطهم بالغزاة ولا بالمرتدين عن المسيحية لأن الزواج بينهم وبين المسلمين كان وما زال إلى يومنا هذا مرفوضًا اجتماعيًا.
ويذكر التاريخ تعرض المسيحيين لمضايقات كثيرة من عدد من الخلفاء المسلمين كان أبرزها فترة الحكم الفاطمي، وأكثرها قسوة كانت بفترة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، حيث عملت الدولة الفاطمية على هدم الكنائس والمعابد اليهودية وتدنيس المخطوطات5 وغيرها من القطع الأثرية والمباني المسيحية، هذا بالإضافة إلى تحويل عدد كبير من الكنائس إلى مساجد، وهدم كنيسة القيامة بأمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 28 سبتمبر 1009م، وأجبر المسيحيون على ارتداء صليب خشبي بعرض وطول نصف متر حول أعناقهم، ومن شدة اضطهادِه للمسيحيين لُقّب بـ "الخليفة المجنون" أو "نيرون الإسلام".
وبسبب اعتداءات المسلمين المستمرة على الحجاج المسيحيين القادمين من أوروبا لزيارة الأماكن المقدسة، وقتل الآلاف منهم أثناء قيامهم بالحج الديني إلى الأراضي المقدسة، قررت الكنيسة الكاثوليكية التي كان يرأسها بابا الكاثوليك أوربان الثاني عام 1095م، إرسال جيوش أوروبية مسيحية لاتينية (كاثوليكية)6 لتحرير أورشليم والأراضي المقدسة من أيدي المسلمين الغزاة.
قد يهمكم أيضا:
إحتلال العرب لمدينة القدس (3 أجزاء)
ويبقى السؤال الذي نبحث عنه: بالرغم من الشدة التي لحقت بالمسيحيين في الشرق الأوسط، أين اختفى المسيحيون الأوائل من اليهود والآراميين السريان؟! وأين اختفى المسيحيون البيزنطيون؟! ولماذا لم يبقَ من المسيحيين في الشرق الأوسط بعد ألفي عام سوى المسيحيين العرب؟!
في القسم الثالث من هذه السلسلة سنتطرق إلى الحقبة التاريخية الثالثة لمسيحيي الشرق الأوسط. انتظرونا...
مصادر:
1 الإمبراطورية البيزنطية
https://en.wikipedia.org/wiki/Byzantine_Empire
2 كان لسورية التاريخية مكانة خاصة في تاريخ العالم وكانت تشمل فلسطين ولبنان ضمن حدودها القديمة.
3، 4 كتاب تاريخ سورية ولبنان وفلسطين الجزء الأول – للمؤلف الدكتور فيليب حتي
5 هدم الكنائس من قبل الدولة الفاطمية
https://ar.wikipedia.org/wiki/هدم_الكنائس_من_قبل_الدولة_الفاطمية
6 الكنيسة ترسل الصليبيين لتحرير الأراضي المقدسة من المسلمين https://arz.wikipedia.org/wiki/الصليبيين

لا احد يمنع عنك عروبيتك ولكن لا تمنع الاخرين في اكتشاف الحقيقة!