عندما نتحدث عن المسيحيين في الشرق الأوسط نصفهم بالمسيحيين العرب، لأن غالبية المسيحيين اليوم في هذه البقعة من العالم يتكلمون اللغة العربية كلغتهم الأم، ولهذا عندما استقلت دول الشرق الأوسط قامت بتسجيل المسيحيين في خانة القومية العربية، وفي غالب الأحيان لم تتخذ هذه السلطات رأي المسيحيين أنفسهم في هذا الأمر، وهذا لم ينطبق على المسيحيين فقط، بل على غالبية الأقليات غير العربية في الدول العربية المستقلة، وهذا أيضًا ينطبق على المسيحيين مواطني دولة إسرائيل.
عندما نقرأ الكتاب المقدس ونعرف أن المسيحية ابتدأت من أورشليم، وأن تلاميذ المسيح اليهود هم من ابتدأوا بنشر رسالة المسيح لليهود ومن ثم للأمم، نتساءل: أين كل المسيحيين من القوميات المختلفة على مدار ألفي عام؟! كيف يُعقل أن الجميع اختفوا ولم يبقَ منهم إلا المسيحيون العرب؟!
من يقرأ سفر أعمال الرسل يعلم أن المسيح، بعد قيامه من بين الأموات وقبل صعوده إلى السماء، أوصى تلاميذه ألّا يبرحوا من أورشليم، بل أن ينتظروا معمودية الروح القدس. وبعدها يؤكد لنا الكتاب أن الروح القدس حلّ على التلاميذ في يوم الخمسين.
ويمكن تقسيم الفترات الرئيسية التي مر بها المسيحيون في الشرق الأوسط، من يوم الخمسين وحتى يومنا هذا، إلى ثلاث فترات رئيسية، سأتطرق في كل مقالة إلى فترة واحدة من هذه الفترات.

تاريخ المسيحيين في الشرق الأوسط
1. المسيحيون الأوائل تحت الحكم الروماني حتى عام 324 ميلادي
نقرأ عن يوم الخمسين في سفر أعمال الرسل، الإصحاح الثاني، بعد صعود المسيح إلى السماء، أن المؤمنين بيسوع كانوا جالسين في البيت عندما سمعوا صوتًا كصوت هبوب ريح عاصفة ملأ كل البيت، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا.
ويذكر لنا الكتاب أن بطرس وقف مع الأحد عشر تلميذًا ورفع صوته وتحدث للرجال اليهود الساكنين في أورشليم، شارحًا لهم أن هؤلاء (أتباع المسيح) الذين يسمعونهم يتكلمون بلغات عديدة ليسوا سكارى كما يظنون، لأنها الساعة الثالثة نهارًا، بل مملوئين بالروح القدس، مبشرًا إياهم بالمسيح الذي رفضوه وصلبوه، وانتهت عظته بمعمودية وانضمام ثلاثة آلاف شخص إلى أتباع المسيح.
وهناك من يعتقد أن من بين المستمعين لعظة بطرس كان العرب، لأن الكتاب المقدس يذكر اللغة العربية بين اللغات العديدة التي سمعها سكان أورشليم في ذلك اليوم، ولكن إذا دققنا في كلمات الإصحاح، وبالأخص العدد 5، يقول: "وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين في أورشليم..." أي كان هناك أيضًا رجال يهود ولدوا وترعرعوا بين شعوب أخرى، ومن بين هؤلاء كان اليهود الذين ولدوا وترعرعوا في بلاد عربية قبل قدومهم إلى أورشليم، وكانت لغتهم الأم اللغة العربية، ويؤكد العدد 22 هذا الأمر عندما قال بطرس للجمهور: "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال..."
وتنفي هذه الآيات ادعاء البعض أن العرب كانوا يقطنون أورشليم وكانوا من بين الذين آمنوا بالمسيح وأصبحوا تلاميذ له، كما أن التلاميذ في هذه الفترة كانوا يظنون أن البشارة هي لليهود فقط وليست للأمم.
وفي الإصحاح الرابع يعلمنا سفر أعمال الرسل أن عدد الرجال الذين سمعوا الكلمة وآمنوا بالمسيح وصل إلى 5000 رجل، ما عدا النساء والأولاد، وبعدها يذكر لنا الكتاب أنه في كل يوم كان ينضم أشخاص جدد إلى أتباع المسيح. ولهذا يمكن القول إنه، على أقل تقدير، وصل عدد أتباع المسيح من اليهود فقط، في بداية انتشار الإيمان المسيحي بقوة الروح القدس، إلى عشرات الآلاف. ولا ننسى أن هؤلاء المؤمنين الجدد تركوا المعابد اليهودية بعد الاضطهاد العظيم على الكنيسة، وخصوصًا بعد إعدام أول شهيد في المسيحية "استفانوس"، حيث يذكر لنا الكتاب أن المؤمنين تشتتوا بعد مقتله في كُوَر اليهودية والسامرة ما عدا الرسل.
ثم يذكر لنا الإصحاح العاشر من سفر أعمال الرسل كيف فُتح باب الخلاص للأمم أيضًا، عندما ظهر ملاك لقائد المئة، كرنيليوس، في رؤيا في ساعات النهار، طالبًا منه إرسال رجال لاستدعاء سمعان الملقب بطرس. وعندما قدم بطرس وعلمهم، آمن هو وأهل بيته واعتمدوا من الروح القدس، وهكذا ابتدأ نشر كلمة الله إلى الأمم أيضًا، وكثيرون آمنوا بالمسيح ابتداءً من أورشليم، ثم دمشق في الشرق الأوسط، وصولًا إلى أوروبا وشمال أفريقيا.
وكان سكان الشرق الأوسط في هذه الحقبة من متكلمي اللغة الآرامية التي كانت طاغية على المنطقة، وهي اللغة التي كان يتحدثها السيد المسيح.
وشهدت هذه الفترة اضطهادات عنيفة ضد المسيحيين وملاحقات من اليهود، معتبرين الإيمان المسيحي دينًا غير مرغوب فيه، بل مكروهًا من قبل الإمبراطورية الرومانية، وكان اضطهاد المسيحيين في قمته في فترة الإمبراطور نيرون عام 64م في روما.
---
الصورة التالية توضح انتشار أتباع المسيح باللون الأزرق الغامق (الكُحلي) حتى حوالي عام 300 ميلادي:

وكما هو موضح في الصورة، فإن المسيحية ابتدأت بالانتشار من الشرق الأوسط إلى حوض منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي هذه الفترة تأسست أول كنيستين مسيحيتين في الشرق الأوسط، وهما الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الشرقية في منطقة سوريا التاريخية، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية الشرقية في مصر.
ويبقى السؤال الذي نبحث عنه: أين اختفى المسيحيون الأوائل من اليهود والآراميين؟! ولماذا لم يبقَ من المسيحيين في الشرق الأوسط بعد ألفي عام سوى المسيحيين العرب؟!
في القسم الثاني من هذه السلسلة سنتطرق إلى الحقبة التاريخية الثانية لمسيحيي الشرق الأوسط. انتظرونا...