تاريخ مسيحيي الشرق الأوسط (3) من تلاميذ المسيح اليهود الى المسيحيين العرب

ارجاع اورشليم من أيدي العرب وجلب الكنيسة الكاثوليكية الى الاراضي المقدسة، ثم انتصر المسلمون فأصبح المسيحيون المحليون مضطهدين... حتى القومية العربية لم تشفع لهم!
14 مارس - 17:06 بتوقيت القدس
تاريخ مسيحيي الشرق الأوسط (3) من تلاميذ المسيح اليهود الى المسيحيين العرب

الفترة الصليبية ١٠٩٩ - ١٢٦٠

ارجاع اورشليم من أيدي العرب وجلب الكنيسة الكاثوليكية الى الاراضي المقدسة

القى البابا اوربان الثاني، الفرنسي المولد، خطبة نارية في مدينة كلرمونت في جنوبي فرنسا باللغة الفرنسية، في ٢٧ نوفمبر سنة ١٠٩٥، وحث المؤمنين على الحج الى كنيسة القيامة وانتزاعها من ايدي المسلمين الغاصبين، وذلك بعد قيام السلاجقة (١) الاتراك المسلمين بقتل ما يقارب ١٨ الف مسيحي كانوا في قافلة حج الى الاراضي المقدسة سلميا، ليس معهم سوى زادهم وعصي للترحال وبرفقة ٤٠٠ فارس فقط. وتعتبر هذه الخطبة الطويلة من اشد الخطب في التاريخ وقعا بسبب تأثيرها وصداها في اوروبا، حيث تنادى الناس بصيحة ”هكذا يريد الله“(٢) وأثرت في الناس على اختلاف طبقاتهم. ويبدو ان اختيار البابا لهذه المدينة في بداية حملته لم يكن محض صدفة، فقد تعرضت هذه البقعة من الارض الى هجمات المسلمين المتكررة على مواطنيها المسيحيين بسبب قربها الجغرافي من الاندلس.

هناك عدة اصدارات من خطاب البابا اوربان الثاني، تم نسخها من قبل مؤلفين مختلفين، النسخ متشابهة بالمحتوى وخاصة في القسم الرئيسي وهو الدعوة للشروع في رحلة، وجاء فيها ما يلي: 

”يا عرق الفرنجة، عرق الله الحبيب المختار من قبله… من القدس والقسطنطينية جائت شائعات بأن عرقًا ملعونًا لا يعترف بالله غزا أرض المسيحيين وأشعلها بالنيران وذبحهم… على من تقع مسؤولية الانتقام ومن يسترجع من أياديهم أرضهم ان لم تكونوا أنتم، أنتم الذين عليكم أوكل الله هذه المهمة المجيدة لإخضاع أعدائكم؟ خذوا على انفسكم هذه المهمة ولن يمنعكم أي شيء من القيام بها، وقد كفّرتم عن خطاياكم واكتسبتم مجدا في ملكوت الله“.

في عام ١٠٩٦ بدأ الاوروبيون رحلتهم للارض المقدسة واستطاعوا في الخامس عشر من يوليو ١٠٩٩ من استرجاع القبر المقدس في الحرب الصليبية الاولى من ايدي المسلمين الى الايادي المسيحية، ومع اقامة مملكة اورشليم على ايدي الصليبيّين، حضرت الكنيسة الكاثوليكية الى الاراضي المقدسة والى الشرق الاوسط، لتنضم الى الكنائس القائمة والمتعددة ككنيسة السريانية الارثوذكسية الشرقية والكنيسة القبطية الارثوذكسية الشرقية، والكنيسة الارثوذكسية اليونانية الشرقية التي كانت قد تأسست ابان حكم الامبراطورية البيزنطية.

ويُذكر ان الصليبيين لم يهتموا بالسكان الاصليين، كما لم يعملوا على ارجاع ابناء المسيحيين الى ديانة اجدادهم بعد ان حولهم المسلمون قسرًا الى الديانة الاسلامية.

crusaders.jpg

وكان الصليبيون قد جعلوا اورشليم مدينة مسيحية كاملة ولم يُسمح لليهود ولا للمسلمين السكن فيها (٣). وعاش غالبية الصليبيين في المدن الكبيرة وخاصة في القدس وعكا وصور. اما غالبية المسيحيين المحليين فقد كانوا يعيشون في القرى الصغيرة، ولم تجمعهم مع الصليبيين علاقة حميمة، لكنهم رأوا فيهم الراحة من المعاناة من بطش المسلمين بعد فترة طويلة من الاضطهاد، واستفاد الصليبيون من محاصيل القرويين الزراعية.

في منتصف القرن ١٢ بدأت المملكة الصليبية بالتقهقر بسبب الخلافات الداخلية التي اندلعت بين الصليبيين المحليين والصليبيين الذي وصلوا حديثا الى الاراضي المقدسة.

في عام ١٢٦٠ هُزم الصليبيين امام المماليك المسلمين، وهرب غالبيتهم وعادوا الى الدول الاوروبية وبقي منهم نسبة قليلة في الاراضي المقدسة حتى يومنا هذا. 

المسيحيون في الدولة المملوكية

mmloks.jpg

كان النظام المملوكي بأيدي متأسلمين، أي ان الاسلام لم يكن ديانة آبائهم، ولكنهم التزموا بما تقضيه الشريعة الاسلامية، وما أقرّته العهدة العمرية من ذل للمسيحيين المحليين مع تركهم احرارا في دينهم، فعانى المسيحيون جدًا في فترات مختلفة اذ جاء الاضطهاد على شكل زوابع تظهر من حين لآخر. وكانت الدولة المملوكية موطن الكثير من الطوائف المسيحية وفي مقدمتها: الاقباط والروم والسريان والنساطرة، اضافة الى طوائف مهاجرة من الخارج مثل الكرديين والاحباش والارمن واللاتين. (٤)

الحكم العثماني

بعد المماليك حكم العثمانيون الاراضي المقدسة لمدة ٤٠٠ عام من سنة ١٥١٦ ولغاية سنة ١٩١٧، واضطهدوا شعوب المنطقة المسيحيين والمسلمين من العرب وغيرهم. وكان تأسيس القومية العربية من اهم الخطوات لمواجهة الحكم العثماني وتوحيد الصفوف. 

فمع نهاية القرن التاسع عشر، او بما يُسمى بعصر القوميات، اصبحت القومية العربية القوة السياسية الاولى والمحرك الاقوى للجماهير خصوصا في بلاد الشام والعراق، وقد فضّل المسيحيون في هذه الحقبة من الزمن التحالف مع المسلمين عن الرحيل عن أوطانهم. فكانت القومية العربية هي المظلة التي جعلت المسيحيين تحت سقف واحد مع المسلمين، بعد أن كانوا يعتبرون اهل ذمة وذو شأن أقل.

الحماية تحت جناح القومية العربية

وقد أدت القومية العربية الى توحيد الشعوب في منطقة الشرق الاوسط تحت اسم واحد، فالقومية العربية لا تُقاس بالنسب، وانما هي ايديولوجيا تجمع العرب والعروبيين معا. اي العربي بالنسب من صُلب جد واحد عربي، والمتحدث للغة العربية والمنتمي الى العروبة ويسكن في هذه المنطقة، حتى لو كان من أصول اوروبية او افريقية او حتى كنعانية. 

لقد ساهم نشوء القومية العربية الى اضمحلال واختفاء القوميات الاخرى، واصبح كل شخص يتكلم اللغة ”العربية العامية“، اصبح عربيا بشكل تلقائي! وكل من يحاول اضفاء شيء آخر يُعتبر خائنا ولا يمثل اقربائه والمجتمع! حتى ان الحكومات العربية بعد الاستقلال سجلت كل سكان الدولة عربا، فسجلت السريان والكردي والاشوري عربا في بطاقاتهم القومية. ليس هذا فقط، فنحن ما زلنا الى يومنا هذا نرى ونسمع رجال دين مسيحيين، يدافعون عن العروبة والعرب والمصالح الاسلامية ودور عبادتهم أكثر من المسلمين انفسهم، ونذكر من بينهم المطران عطالله حنا والاب مناويل مسلم!  

ولا ننسى طبعا التأثير الاسلامي وهم الاغلبية ولغة القرآن العربية، كل هذا ساهم في تشجيع الانتماء للامة العربية!

ومن هذا المنطلق اصبح المسيحي السرياني ذو الجذور الارامية والقبطي المصري واليوناني والصليبي اصبحوا جميعا عربا بعيون الحكام والمجتمع بسبب تكلمهم لهذه اللغة!

القرن الواحد والعشرين واستهداف المسيحيين:

بعد التطورات الحديثة في السنوات الاخيرة في الشرق الاوسط، من حروب اهلية وتطرف اسلامي، نستطيع القول بكل وضوح ان القومية العربية ساعدت المسيحيين لبعض الوقت ولكنها اثبتت لاحقا فشلها بعد أكثر من ١٠٠ عام على ظهورها، فهي لم تحافظ على سلامة المسيحيين ولم تساهم في توحيد دول المنطقة العربية! ومع كل هذا ما زال المسيحي العربي لا يملك الحقوق التي حصل عليها المسلم العربي في البلد نفسه. 

فالقومية العربية ضعيفة ومنقسمة ولها مستويان: عربي أ (مسلم) وعربي ب (غير مسلم).

ظهور المنظمات الاسلامية المتطرفة واستهداف المسيحيين بشكل ممنهج، واستهداف المسلمين من عقائد مختلفة، أثبت ضعف وهوان القومية العربية، فالعربي يقتل العربي لانه مختلف عنه في عقيدته، فالمشترك أي القومية العربية اصبحت بلا أهمية أمام خانة العقيدة والايمان…

تلخيص سريع:

اليهود المسيحيون الذين امنوا بالمسيح قبل الفي عام وابتدأوا بنشر الانجيل، والسريان المسيحيون سكان سوريا التاريخية التي شملت لبنان واسرائيل وفلسطين وشمال الاردن، الاقباط المسيحيون في مصر، الامازيغ في شمال افريقيا، الاكراد والاشوريين في شمال سوريا والعراق وغيرهم من شعوب ما زالت حتى يومنا هذا تعيش في اوطانها، شعوب كثيرة آمنت بالمسيح وصليبه، لا ينتمون للقومية العربية.

شاءت المشيئة الالهية ان يُحكم المسيحيون المحليين من المسلمين العرب لأكثر من الف واربعمئة عام، منهم من مُنع من التحدث بلغته الام ومنهم من حافظ عليها، ولكن كلاهما تعلما لغة المُحتل، ولان اللغة العربية لم تكن حاوية لكل الكلمات المحلية تم الاستعانة بكلمات من اللغة الاصلية وتم ادخالها الى اللغة التي اصبحت تُعرف فيما بعد باللغة العربية العاميّة.


  1. دولة السلاجقة وخلافة الفاطميين: اقتسمت هاتان الدولتان منطقة الشرق الاوسط فيما بينهما، فاستولى السلاجقة الاتراك على المنطقة الشمالية ومنها شمال سوريا التاريخيها وسيطر الفاطميون العرب على جنوبها.
  2. كتاب تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين تأليف الدكتور فيليب حتي
  3. https://he.wikipedia.org/wiki/ממלכת_ירושלים
  4. https://ar.wikipedia.org/wiki/الدولةـالمملوكية
شارك المقالة:
هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك راسلنا