كما تعلمنا من المقال السابق، أن الله ركز الهدف من الخليقة الجديدة ومن ضمنها الوطنية الجديدة في المسيح، هو العمل لملكوته السماوي وليس للملكوت الأرضي. وتعلمنا أنه في الوقت الذي فيه قد ترك الله العالم الحالي للسيادة الباطلة، أعطانا الإرسالية العظمى (وهي رسالة خلاص المسيح لجميع البشر) المتمحورة حول الوصية العظمى (وهي أن تحب الله وتحب جميع الناس، بكافة خلفياتهم)؛ على رجاء تحقيق ملكوته السماوي الكامل للبشر.

وهذا يقودنا كما قلنا لتساؤل عملي هام جدًا: 
هل بناء على ما سبق، الله يريدنا أن نواجه الظلم السياسي للحكومات، وأن نطالب بالعدل؟
إذا نعم، كيف؟ وإذا لا، لماذا؟

في قضية تداخل الكنيسة في العدالة الاجتماعية والسياسية، هناك انقسام في آراء المسيحيين العرب في الأراضي المقدسة إلى رأيين. رأي يؤمن بضرورة عدم تدخل المؤمن بالسياسة؛ والرأي الثاني يؤمن بوجوب تدخل المؤمن بالسياسة. سأسمي الفئتين: "فئة لا للسياسة" و "فئة نعم للسياسة"، لتسهيل الطرح.

وقبل أن نبدأ بالطرح، هناك ضرورة لتعريف معنى كلمة "السياسة"

السياسة كاسم هو: "فعاليات الحكومات، أعضاء وجمعيات صانعي القرار السياسي، أو أناس يحاولون التأثير على الطريقة التي تُحكم بها دولة" (قاموس كامبردح) [1].
يضيف قاموس أكسفورد جزئية هامة في تعريفه، وهي: فعاليات العلاقات الحكومية بين الدول [2] 

فئة لا للسياسة:
هذه الفئة من المسيحيين تؤمن بأن الوحي الإلهي يحث المؤمن بعدم التدخل في السياسة وأمور العالم الذي يسود عليه الفناء والموت، "دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ" (متى 8: 22)؛ ويجب أن نركز أولا وأخيرًا على أولوية ملكوت الله وبره، المتوحدة في دعوة الله العظمى لنا في المسيح. التي هدفها هو خلاص النفوس خلال المأمورية العظمى؛ المؤسسة على الوصية العظمى، وهي أن تحب الله، وتحب جميع الناس مهما كانت خلفياتهم؛ أقرباء أم أعداء، مسيحيين أم غير مسيحيين. 

فئة نعم للسياسة: 
هي فئة من المسيحيين الذين لا يعترضون على أولوية ملكوت الله، لكنهم يؤمنون بأن تدخل الكنيسة في مواجهة الظلم المجتمعي والسياسي في الدولة، ومحاولة تغيير السياسات بطريقة مسالمة، هو جزء لا يتجزأ من رسالة الإنجيل وطلب ملكوت الله وبره والمأمورية العظمى. حيث ينظرون لجزئية التعريف الوارد أعلاه للسياسة: "أناس يحاولون التأثير على الطريقة التي تُحكم بها دولة"، أنه من الضروري أن يؤثر المؤمن الحقيقي على الطريقة التي تُحكم بها الدول، كجزء من العمل لملكوت الله. يؤمن أيضًا بعض هؤلاء بضرورة عدم إهمال المأمورية العظمى المؤسسة على الوصية العظمى.

وأرى أن المسيحيين خاصة في الأراضي المقدسة ضائعين بين الطرفين، فالقضية فعلا محيرة! 
إن الحيرة تأتي للمؤمنين من الفئتين، لأنه كلا الفكرين له مكانه في دعوة الله للمؤمنين، لكن الاختلاط لدى الفئتين يكمن في عدم الفصل بين مواقف الكنيسة الرسمية كقيادة ومجمع، وبين مواقف المؤمنين كأفراد مدعوين ليكونوا أنوار في مجالات متنوعة من المجتمع؛ في المجال السياسي، المجتمعي، التعليمي أو غيره. 

لتحليل ذلك الاختلاط، نحتاج أن نتكلم عن الفرق بين دور الكنيسة في العالم كقيادة ومجمع؛ ودور المؤمنين كأفراد وأعضاء في الكنيسة وفي العالم.

موقف الكنيسة الرسمي ككنيسة ومجمع:

إن دور الكنيسة الرسمي كقيادة ومجمع، يجب أن يتوحد وينحصر في إطار واحد فقط: 
"19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ ..." متى 28.
الذهاب للعالم بإرسالية خلاص المسيح، تلمذة المؤمنين ومساعدتهم لتأسيس علاقة صحية مع الله، ضمهم لعائلة المؤمنين لاختبار إظهار ملكوت الله على الأرض بينهم، ومن ثم تعليمهم كيف يعيشون حياة تعكس نور محبة المسيح في أي مكان يُدعوْن به في العالم، كمُرسلين وسفراء عن المسيح. 
نرى هذا طبعًا من مثال حياة المسيح نفسه؛ الذي أحد أهم الأهداف لتجسده، هو لكي يرينا الصورة الكاملة التي خُلقنا بحسبها، لنتبع سنته وحياته: 
"21 لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ" 1 بطرس 2.
فنرى من مثال حياة المسيح، أن كل نقده كرأس للكنيسة، كان موجهًا بشكل كلي داخل إطار جماعة المؤمنين؛ القيادات الدينية آنذاك المتمثلة في الكتبة والفريسيين والصدوقيين. وهذا أيضًا ما فهمه التلاميذ، فلم نرى أي منهم ينتقد أي نظام سياسي خارج إطار جسد المؤمنين. لدرجة أننا نرى مثلا في موقف بطرس كقائد للكنيسة، أنه عندما رأى أن الأمور التدبيرية في داخل إطار الكنيسة نفسها، ستأخذه عن رعاية نفوس المؤمنين روحيًا، رفض أن ينشغل بها! "2 فَدَعَا الاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ التَّلاَمِيذِ وَقَالُوا: «لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ. 3 فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ. 4 وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ" أعمال 6. 
فإذا رفض بطرس أن يتدخل في الشؤون التدبيرية داخل إطار الكنيسة، فكم بالحري سيكون كارثة عندما يتدخل هو وغيره من قادة الكنيسة، في السياسة والعدالة الاجتماعية، كما يفعل بعض قادة كنائسنا اليوم للأسف؟!
وطبعًا خدمة الموائد هي ليست شيء سيَّء أو خطأ؛ كما أن قضية التأثير على العدالة الاجتماعية والسياسية، هو ليس شيء سيَّء أو خطأ؛ لكنه ليس من دور الكنيسة كقيادة وكموقف رسمي أبدًا. المسيح حذر الكنيسة، حيث قال لتلاميذه أنهم مهما فعلوا لإرضاء العالم ونيل تصفيق وثناء بعض السياسيين، لن يكونوا مقبولين ومحبوبين من العالم: 
"19 لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ" يوحنا 15.
وقال أيضًا أن مملكته ليست من هذا العالم: 
"36 أَجَابَ يَسُوعُ: مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا" يوحنا 18.
لذلك الكنيسة كقيادة ومجمع ليس من دورها أن تعمل وثائق أو رسائل للعالم أو للحكومات لتواجه "الظلم" أو الانتهاكات السياسية، هذا خزي وعار في حقها وحق مسيحيها!! بل كل رسائلها وكتبها وطاقتها يجب أن تكون موجهه لرعاية داخل العائلة والجسد. لذلك يجب أن تركز الكنيسة بمواقفها الرسمية كقيادة وجسد، على مواقف بخصوص العقيدة والبدع، الأخلاقيات الكتابية، السلوكية، الأسرية، المجتمعية، الإجهاض، الزواج السليم ... إلخ؛ داخل إطار الجسد، وليس في سياسات أو قوانين الدولة. هم نُظَّار على الرعية، وليس على العالم. الكنيسة هي عروس المسيح العفيفة المخلصة له، كما قال الوحي على فم بولس: 
"2 فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" 2 كورنثوس 11. 
الكنيسة يجب أن تكون عروس مكرسة مخلصة لعريسها فقط وليس لرجال آخرين؛ وبالتأكيد يجب ألا تكون ألعوبة بيد العالم وسياسيي هذا العام المسلَّم للشرير. لذلك دعوة الكنيسة كقيادة ومجمع، يجب أن تتمحور حول ترويج العدالة بحق الله. وهذه النقطة التي يغيبها أو لا يدركها معظم "فئة نعم للسياسة": 
فماذا عن حق الله المهدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين مثلا؟ دعنا نسميه الحق العام، لماذا لا يتكلم هؤلاء عنه؟

دعوة الكنيسة كقيادة ومجمع للعالم، هي تحقيق العدالة في حق الله:

عندما نفكر بالعدل والحق، كما قلنا في المقال الرابع، عادة يتمحور فكرنا بحسب إنساننا العتيق، بالمطالبة بالحق لنا ولشعبنا؛ والتركيز على شرائح عدالة تتناغم مع حقنا ومصالحنا. لكن من أهم صفات مبدأ العدالة بحسب نظرة الله، هي أن توفي العدل والحق لله خالقك أولا. 
عادة عندما يفكر الإنسان الوطني العالمي بالعدل، قضية العدالة في حق الله غير واردة لديه إطلاقًا؛ فالله غير موجود في الصورة. العدالة تتمحور أولا وأخيرًا في دعوة هؤلاء حول الإنسان وبالتحديد، حولي أنا، أو حول شعبي! أما الكتاب عندما يتكلم عن العدالة بخصوص دعوة الكنيسة، يتكلم عن إيفاء العدل والحق لله من الإنسان أولا. لذلك عندما يتكلم العهد القديم على فرائض الرب، مثل مزمور 119 مثلا، يقول: 
"12 مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ" كلمة فرائضك في العبري هي: "חֻקֶּיךָ"؛ لكن في سياقها، عهدت الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية العربية، لترجمة الكلمة بـ "حقوقك"، أي أن أوفي كإنسان حقوق الله عليّ كإله، خالقي، حافظي، ومخلصي؛ دعاني لكي أتبعه وأخدمه. تمامًا مثل الحفاظ على حق الدولة العام بحفظ القانون، دفع الضرائب، والقيام بجميع واجباتي كمواطن صالح. وهذا دور الكنيسة كقيادة ومجمع، أن تروج العدالة في حق الله، من البشر الذين خلقهم ولا يزالون متمردين عليه، بدورنا كسفراء له على الأرض. فهل تشعر فئة نعم للسياسة كم يدوس الناس في عالمنا على حقوق الله خالقهم، يحتقرونه، يجدفون عليه، يحتقرون مبادراته لخلاصهم ويرفضونه ربًا لهم؟ هذا هو أساس العدالة بعيون الله، لذلك أمرنا الله أن نسعى للمأمورية العظمى ككنيسة، وهي تعني أن ندعو الناس لقبول خلاصه وقبول مبادرته لإصلاح علاقة البشر به، وإعطاءه حقه:
"18 وَلَكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ 19 أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. 20 إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" 2 كورنثوس 5. 

هذه هي إرسالية الكنيسة، نحن سفراء عن المسيح لدعوة عالمنا هذا للتصالح مع الله، وإيفاءه حقه. وكل ما نفعله قلبًا وقالبًا يجب أن يكون مأسَّسًا ومتمحورًا حول هذا بدون أي فلسفات. فكلا الشعب الفلسطيني والإسرائيلي بأغلبيتهم الساحقة، شعبًا وحكومة، متعديان على الله وعلى حقوقه العامة، برفضهم ليده الممتدة لهم لخلاصهم من خلال كفارة المسيح. فعندما توجه كنائس بشكل رسمي رسائل للحكومات وللمجتمع الدولي، تطالب به الجميع بأن توفي إسرائيل مثلا "العدل" للشعب الفلسطيني، وهي تدرك أن حق الله مهدور بين الشعبين؛ أنا أرى في هذه العملية بحسب نظرة الله المُعلنة في كتابه، خيانة وجريمة وقمة الخزي والعار في حق الله والقانون السماوي. 

ولكي تفهم الصورة التي أراها بوضوح، دعني أمثل لك حقيقة تلك الممارسة بمثال: 
دعنا نشبه الكنيسة برجل قانون يحث الناس للالتزام بالقانون واحترامه؛ والجهاز القانوني والعدالة نشبهه بالله (لأجل الإيضاح فقط). فأنا أرى مطالبة الكنيسة "بالعدالة" الاجتماعية والسياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كرجل يظن مخدوعًا أنه رجل عدل وقانون، يطالب مجرمين هاربين من العدالة حدث بينهما خلاف؛ بأن ينصف أحدهم الآخر! ويستغرب لماذا لم تنصف وتحكم الدولة إلى الآن بينهما بالحق؟! وهو لا يشعر بأي ضرورة لأن يسلما أنفسهما للعدالة؛ بل يظن بعالمه الوهمي، أنه يقدر أن يجري الحق والعدل بينهما، مع الحفاظ على حالتهما كمجرميْن فارّيْن من العدالة! 

يا أحبائي قادة الكنائس بصدق تام أقول لكم؛ أبسط ما يمكن أن يقال عن هذا الرجل الذي يظن أنه رجل عدل وقانون، أنه لا يعرف يمينه من يساره في العدالة والقانون! نعم هذا ما أراه في الكثير من الوثائق التي ترسلونها كقادة كنائس بشكل رسمي لحث السياسيين بأن يضغطوا على إسرائيل؛ لكي "تنصف" الشعب الفلسطيني. والكارثة الأكبر من كل هذا، هي ظنكم بأن الله راضٍ عنكم لأنكم تروجون "العدالة"!!! يا أيها القادة العميان المخدوعين، إن وظيفتكم أولا وآخرًا هي الحق العام؛ وهي أن تدعُ المجرمين بأن يسلما أنفسهما للعدالة أولا (أي للتصالح مع الله/تصويب الطرفين لوضعهم القانوني أمام الله)، ومن ثم تبدأ العدالة بإنصافهما في قضيتهما، وأن ينصف أحدهم الآخر (مطلب العدل)!
هذا ما أره من جهة موقف الكنيسة الرسمي كقيادة ومجمع؛ يجب أن تحيا كعروس مخلصة لعريسها، ولا تسمح لنفسها أن تتداخل في شجار بين رجال غرباء هاربين من العدالة؛ ومن ألد الأعداء والمحاربين لعريسها ولها!

إن دعوة الكنيسة كرعاية وقيادة هي، أن تعد شعبًا يتبع الله من كل قلبه بعلاقة سليمة وصحية معه، ويسير لتحقيق المأمورية العظمى، ليميز بين الخير والشر، فيكون نور وملح في الأرض والمكان الذي يختاره الله ليكون فيه. مأمورية الكنيسة كقيادة هي أن تساعد المؤمن ليحقق مشيئة الله ودعوته له على الأرض، كما هي في السماء. أما المؤمنين الصادقين الذين تجهزهم الكنيسة التابعين للمسيح، الذين الله يدعوهم للعمل السياسي والقانوني والحقوقي؛ كونه "لم يترك نفسه بلا شاهد" (أعمال 14: 17)، فهؤلاء مَنْ مدعو من الله ليؤثر على سياسات الحكومات والدولة؛ وهذا يقودنا للنقطة الثانية. 

دور المؤمنين كأفراد للتأثير على السياسة والعدالة الاجتماعية:

نعم أعتقد أن الوحي الإلهي قد أمر المؤمنين كأفراد أن يكونوا مؤثرين وأمناء في كل مكان يعملون به، مدعوِّين فيه من الرب، ليخدموه فيه (كولوسي 3: 22-24). وإرادة الله أن يكونوا شهودٌ له ونور في المكان الذي يضعهم به (فيلبي 2: 15). وهذا يختلف تمامًا عن دور الكنيسة كقيادة ومجمع كما قلنا. فإذا دُعي شخص مؤمن للعمل كرجل أعمال أو كتاجر، هل هذا لا يعني أن الكنيسة مدعوة لتعمل في التجارة؛ أي تخريف هذا؟! كذلك من يُدعا ليعمل في الخط السياسي، يجب أن يعمل بأمانة ويواجه الظلم، ويسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية لإنصاف المستضعفين. لكن هذا لا يعني أن الكنيسة مدعوة لهذا العمل. لذلك المؤمنين المعدين جيدًا من قبل القيادة الكنسيّة كتلاميذ للمسيح وأتباع لله الحي، بحسب دعوة كل شخص فيهم، يجب أن يؤثروا على القرار السياسي، الحقوقي، القانوني، التربوي، التعليمي...إلخ. يجب أن يؤثروا على الرأي السياسي في إسرائيل وفلسطين، على الحكومات؛ ويحاولوا جاهدين لحث الحكومات الإسرائيلية والفلسطينية لتحقيق السلام العادل. طبعًا لكي يصب في النهاية العمل كله في ملكوت الله من أوله لآخره، وليس بهدف ترقيع الملكوت الأرضي النافل. ومنهم أمثلة كثيرة مثل يوسف الصديق، نحميا، مردخاي، دانيال وغيرهم. هؤلاء أمثلة دقيقة جدًا مطابقة لحالتنا مع عالمنا الحالي الشرير. حيث كانوا مؤمنين يعيشون ويخدمون في إطار حكومات وثنية، يعيشون في وسط عالم حولهم غير مؤمن (مثل المصريين، البابليين، الفرس.. إلخ). فأتى عملهم السياسي بإطار دعوة الله الخاصة لهم فقط لتحقيق خطة ملكوته الأزلي؛ وكل ما عملوه في إطار دعوتهم، لأنهم مؤسسين على الإيمان والإدراك الصحيح، صب في النهاية في ملكوت إلههم الحي؛ دون أن يساوموا على إيمانهم الصادق. فهذه دعوة خاصة لأفراد مخصصين مُفرزين من قبل الله، وليست دعوة رسمية لكل جماعة المؤمنين؛ وبالتأكيد ليست دعوة الكنيسة الرسمية، كجهاز روحي يمثل المسيح في العالم.

إن التوجه في لاهوت "نعم للسياسة"، هو لاهوت طبعًا موجود في الدول الغربية، لكن بدأ يتفشى في بلادنا قبل بضعة عقود من الزمن، من قبل بعض قادة الكنائس التاريخية. فاقتصر على الأراضي المقدسة فقط وليس له أي وجود في باقي الدول العربية. لا يُعلَّم في كليات اللاهوت في أي دولة عربية؛ من العراق، سوريا، العراق، لبنان، الأردن ومصر؛ لأنه موجه بشكل متوحد لانتقاد إسرائيل فقط. لأن إسرائيل دولة تتيح لهم الفرصة لانتقادها دون أن تضطهدهم أو تحاربهم. أما مواقف نفس أولئك الكنائس التاريخية الذين يعيشون في باقي الدول العربية، فلا يواجهون أي ظلم لأي نظام؛ وهذا يُظهر التخاذل والرياء والفساد. أستثني من هؤلاء الأقباط، حيث أن موقفهم هو من "فئة لا للسياسة" في مصر، ونفسه تمامًا في الأراضي المقدسة، دون أي رياء. أما من جهة الكنائس التاريخية الأخرى، فمعظمهم كنائس للأسف رمت المأمورية العظمى خلف ظهرها، ورمت المسيح نفسه خلف ظهرها. فيحضرها أبناء رعيتها ويصلون بها لسنين، وعشرات السنين؛ ثم يذهبون لملاقاة ربهم، دون أن يتعلموا التبعية الحقيقية للمسيح! وللأسف تبع طريقهم الضال هذا، عدد من اللاهوتيين الإنجيليين في الأراضي المقدسة، ونصلي ألا تتفشى هذه الخميرة السيئة لباقي جسد المسيح في البلاد. فالاختلاط أساسه يكمن في عدم التمييز الروحي بين الموقف الرسمي للكنيسة كقيادة ومجمع، وبين مواقف المسيحيين كأفراد، الله دعاهم ليؤثروا على السياسات، والحكومات، والقوانين. فعندما فقد هؤلاء القادة الرؤيا الصحيحة للمأمورية العظمى، انحرفوا وراء الأباطيل، فأصبحوا ألعوبة بيد السياسيين. لأن سياسيي العالم يحتاجون لمثل هؤلاء، لكي يأخذوا قرارات ومواقف تعطيهم مكاسب سياسية؛ لأن لهم قوة كبيرة، بسبب أتباع كنائسهم في أرضهم وحول العالم. وللأسف تمكن السياسيون الفلسطينيين والعرب بأن يجندوا قادة الكنائس ليخدموا برامجهم السياسية، وضاعت رعاياهم في وسط هذا الفساد. وبدل من أن يلوم هؤلاء القادة أنفسهم على تقلص عدد المسيحيين في الأراضي المقدسة، بسبب ابتعادهم عن إرسالية المسيح العظمى والإيمان الصادق؛ وضعوا كل اللوم على إسرائيل والاحتلال! لذلك لم ولن ترى أيًا منهم في أي وثيقة يقول: "أخطأنا" "أهملنا" "عوجنا طرقك" "نحن السبب الأساسي لهجرة المسيحيين من البلاد". أبسط ما يمكن أن يوصف به هؤلاء، هو: 
"16 يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَلكِنَّهُمْ بِالأَعْمَالِ يُنْكِرُونَهُ، إِذْ هُمْ رَجِسُونَ غَيْرُ طَائِعِينَ، وَمِنْ جِهَةِ كُلِّ عَمَل صَالِحٍ مَرْفُوضُونَ" تيطس 1.
ولكي نضع القضية في النصاب الصحيح ولا نظلمهم؛ كل ما قلته عن انحراف بعض الكنائس والقادة الذين جعلوا من أنفسهم وكنائسهم ألعوبة بيد السياسيين العرب. لا يشمل فقط المسيحيين العرب في الأراضي المقدسة طبعًا، بل هي ظاهرة انحراف عالمية لكنائس كثيرة في إسرائيل وحول العالم؛ كموقف كنائس المؤمنين بالمسيح من الطرف اليهودي، والكثير من الكنائس الأمريكية المؤيدة سياسيًا لإسرائيل في كل شيء [3]؛ والتي يحاربها المسيحيين الفلسطينيين وينعتوها بالصهيونية، لكن للأسف ما يعملونه، من حيث المبدأ، هو نفس الشيء تمامًا! فهؤلاء لا يحافظون على نقاء كنيسة الرب التي اقتناها بدمه، لكي تكون مخصصة ومفرزة لمأمورية المسيح العظمى، للمناداة بإيفاء العدالة في حق الله. فيجعلون كنيسة الرب ألعوبة بيد فلسطين، إسرائيل وأمريكا وغيرها! ونماذج كثير مشابهه حول العالم عبر التاريخ.

وفي النهاية، يوجه الرب هذا النداء للكنيسة الحقيقية التابعة لمسيحيها في الأراضي المقدسة:
(تحذير من نظام العالم – بابل) "4 ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتًا آخَرَ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: اخْرُجُوا مِنْهَا يَا شَعْبِي لِئَلاَّ تَشْتَرِكُوا فِي خَطَايَاهَا، وَلِئَلاَّ تَأْخُذُوا مِنْ ضَرَبَاتِهَا" رؤيا 18.

سنتابع في المقال القادم، تحذيرات إضافية للكنيسة من الانخراط في السياسة

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا