الوطنية والإيمان (4) – وطنيتي الجديدة في المسيح

، مساهم في لينغا
تكبير الخط نص تكبير الخط

الوطنية والايمان - صورة لسور الفصل بيت لحم

كما رأينا في المقالات السابقة، من سمات الإنسان العتيق المنفصل عن الله، أنه إنسان يعيش تحت نظام الموت والكراهية؛ يُنتج أعمالاً مرفوضة لدى الله ولا تأت بثمر له؛ نظام فيه أفكاره وأعماله بالطبيعة معادية لله؛ وله ذهن عاطل عن التمييز بين الحق والباطل؛ أيضًا ذهن محاط بالدينونة للآخرين ومستسلم للمسلمات السياسية الموروثة من عالم الموت!! 

وطرحنا سؤال: كيف يقدر مؤمن يعيش في ثوب وطنيَّته القديم الذي يتسم بالصفات السابقة، أن يخدم الله ويخدم شعبه؟؟
وتكلمنا في المقال السابق عن ضرورة تجديد محبتي لشعبي، ومعنى أن المسيح كل شيء في حياتي الجديدة، وكيف يؤثر هذا على هويتي الوطنية الجديدة في المسيح. وفي هذا المقال، سنتابع النظر إلى أمور أخرى عديدة، تساعدني على اختبار هويتي الوطنية الجديدة في المسيح.

3- حكمة سماوية وليست أرضية:

إن حياتنا الجديدة في المسيح، يجب أن تنقاد بحكمة الله الجديدة، وليس بحكمتنا القديمة الأرضية التي هي وليدة هذا العالم الهالك:
"6 لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ." 1 كورنثوس 2. 
لذلك يجب أن نحذر بشدة من مفاهيم أهل العالم للعدالة، والمساواة، والحرية، التربية، الأخلاق …. إلخ. فجميعها تعمل بحسب حكمة هذا العالم الهالك؛ حيث سنجد هناك مفاهيم منسجمة مع حكمة الله بالتأكيد، لكن سنجد أيضًا مفاهيم متضاربة مع حكمة الله! هذا نراه في جميع أنظمة العالم؛ فلو أخذنا مثلا الأمم المتحدة، فبالرغم من أن القناع العام الذي تعكسه يروج الحق والعدل والإنسانية، ويساعد شعوب ودول ومناطق منكوبة. لكن يجب أن ندرك أن نظام الأمم المتحدة الأساسي، مؤسس لضمان الحفاظ على مصالح واستقرار خمس دول عظمى وعلى طبقة أغنى أغنياء العالم. فالأمم المتحدة لا تخدم الإنسان والإنسانية بشكل نقي كما تدعي من قناعها الخارجي. لذلك يجب أن نحذر قبلما نضرب بسيف قوانينها وقراراتها ومفاهيمها عن العدالة والإنسانية. أيضًا الوحي يؤكد أن مروجي الحرية والمساواة الاجتماعية في هذا العالم الفاسد، هم أيضًا فاسدون ومقيدون ولا يعرفون معنى الحرية: 
"19وَاعِدِينَ إِيَّاهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ عَبِيدُ الْفَسَادِ..." 2 بطرس 2. 
فكيف نتبع قادة سياسيين يعدون الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي مثلا بالسلام والخير والعدل، وهم أنفسهم عبيد للفساد والشر؟ فأي اتفاق بين المسيح مع بليعال؟؟ (2 كورنثوس 6: 15). نحن طبعًا يجب أن ندرس حكمة هذا العالم؛ ونطلع على ما يحدث به، وننخرط في مؤسساته؛ لكي نعرف الاحتياجات للبشر ونتعرف على أسئلتهم وصراعاتهم وآلامهم. لكن في الوقت نفسه، نعلم أن الأجوبة والحلول الشافية الوافية تأتي فقط من الحكمة الإلهية، وليس من عند هؤلاء وحكمتهم الأرضية. فالهوية الوطنية القديمة، تعمل تحت نظام حكمة هذا العالم الفاسد الزائل؛ أما الهوية الوطنية الجديدة، فتجعلنا القناة التي تربط ملكوت المسيح الأبدي الذي لا يزول، مع العالم الزائل، لنخدم شعبنا بأفضل وجه ممكن بحكمة الله لا بحكمة الإنسان.

4- مفهوم إلهي وليس بشري للعدل:

أيضًا مهم جدًا أن ندرك أن مفهوم العالم للعدالة مختلف تمامًا عن المفهوم الإلهي. ففي حياتنا القديمة، كنا ننقاد بحسب مفهوم العالم للعدالة، ولم نعرف العدالة بالمفهوم الإلهي. فالعدالة بحسب المفهوم البشري، نراها في معظم الأحيان جزئية، مختارة، وبحسب المصالح الخاصة. أما العدالة الإلهية، فهي شاملة، غير منحازة، ليس لها معايير مزدوجة؛ لأنها مزيج ما بين البر والقداسة، العدل والمحبة، السلام والخير. لذلك كلمة العدل، "צֶדֶק" "صيدِق" في الكتاب المقدس، متداخلة في عدة معاني؛ وهذا موضوع يستحق لعدد من المقالات وحده (حيث يشمل أيضًا عدة كلمات أخرى مرتبطة في الموضوع، مثل "مشبات – מִשְׁפָּט" و"إيميت – אֱמֶת")؛ لكن باختصار سنركز على كلمة "صيدِق" فقط، حيث هي الأكثر تكرارًا في العهد الجديد، بخصوص هذا الموضوع. 
إذا أخذنا نصين كتابيين فقط، الأول من أشعياء 16:
"5 فَيُثَبَّتُ الْكُرْسِيُّ بِالرَّحْمَةِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالأَمَانَةِ فِي خَيْمَةِ دَاوُدَ قَاضٍ، وَيَطْلُبُ الْحَقَّ وَيُبَادِرُ بِالْعَدْلِ"
إن كلمة "صيدِق – צֶדֶק"، مترجمة في آخر كلمة من الآية بكلمة "العدل". وإذا اطلعنا على النص الثاني، وهو تكوين 14: 18، وعبارة "ملكي صادق - מַלְכִּי-צֶדֶק"؛ نرى وحي العهد الجديد في رسالة العبرانيين 7، يفسرها بقوله: "2 … الْمُتَرْجَمَ أَوَّلاً «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضًا «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ «مَلِكَ السَّلاَمِ»" فيصبح معنى كلمة "صيدق – צֶדֶק"، فقط بحسب هذين النصين: عدل، بر، وسلام. ويوازيها كلمة "ذيكايوسينين" "δικαιοσύνην" (مثل متى 5: 6 و10)، التي تترجم تقريبًا في كل نصوص العهد الجديد بالبر. إذا مفهوم العدالة الإلهية، هو مزيج ما بين البر والعدل والسلام. وهذا يتضارب تمامًا مع مفهوم العالم للعدل. فالعدل بحسب الأغلبية الساحقة من الحالات في عالمنا، تعني شرائح مختارة من العدل، عادة تتمحور حول حق من ينادي به؛ عدل خالي من أي بر وقداسة، ويدوس على سلام الشعوب. لذلك إِذا أجرينا مفارقة ما بين عدالة الله وعدالة البشر من جهة مَطلب العدل، سنجد الآتي:

عدالة الله لأنها مؤسسة على البر والسلام والمحبة، تركز على العدالة للطرف الآخر وليس على حقي أنا؛ أي أنها عدالة تُعطى ولا تُؤخذ. أما عدالة البشر ترتكز عادة على أخذ حقي أنا وليس على منح الحق للآخرين.
عدالة الله المؤسسة على البر والسلام والمحبة، تكون شاملة كاملة لا تميز أو تنحاز، ولا تفرق بين البشر والشعوب. عدالة العالم، هي مثل القناع الذي يلبسه الناس ليختاروا فيه شرائح مختارة من "العدل"، تخص ما ينفع مصالحهم واستحسانهم فقط.

الكثير من السياسيين والمفكرين ومنهم مسيحيين أيضًا، يدعونك مثلا لأن تقاطع البضائع الاسرائيلية، تحت شعار مقاومة الظلم بطريقة مسالمة، وتطبيق العدالة! قل لي يا أخي المؤمن السائر وراءهم، أي عدالة أختار وأي عدالة أرمي خلفي؟ هل أقاطع بضائع إسرائيلية التي مصانعها تشغل عرب بنسبة فوق الـ 20%، وتعطيهم حد أدنى راتب 4600 ش، وأشتري من مصنع فلسطيني، يحرث على ظهر العامل الفلسطيني ويشغله 10 ساعات في اليوم، ويعطيه 1400-1800 ش فقط؟ أم أشتري بضاعة مستوردة من تركيًا لمجرد أنها مسلمة، لكنها لا تشغِّل أبناء شعبي، وتدعم داعش المجرمة، فتأمن لها خلال حدودها، جميع مداولاتها ومواردها واحتياجاتها؟ أم أقاطع نسبة عملاقة من البضائع الصينية، التي لا يزال جزء كبير منها يعمل بنظام عبودية العمال، خاصة القاصرين منهم؟ (لذلك معظم دول أوروبا تمنع تداول الكثير من بضائعها). 
هل أقاطع بضائع المستوطنات الاسرائيلية لأنها ظلمت الفلسطينيين وأخذت أراضي ليست من حقها، لكنها تنصف العامل الفلسطيني بالراتب؛ أم أقاطع المصنع الفلسطيني الذي لم يسلب أرضي ليست من حقه، لكنه يسلب الموظف الفلسطيني ويعطيه أقل من نصف الراتب!؟ هل أمتنع عن دفع الضرائب لإسرائيل لأنها تظلم الفلسطينيين؟ أم أمتنع عن دفع الضرائب للسلطة الفلسطينية التي تختلس الكثير من أموال الشعب، فتظلم الفلسطينيين أيضًا؟ 
أقاطع مَنْ ومَنْ في هذا العالم الفاسد يا أخي المؤمن الذي تظن أنك تحب الحق والعدل وأنت مخدوع وجاهل وأعمى؟ فتتبع خُطى أناس فاسدين يقدمون لك شريحة واحدة من "العدل"، ويقنعوك أنك إذا أطعتهم في مشروعهم النافل، ستحقق العدل! فتجعل من نفسك الثمينة التي اشتراها المسيح، ألعوبة في يد العالم! 
العالم يا أخي المؤمن يقدم لك شرائح من "عدالة" مختارة ملتوية، على طبق من العفن والفساد! فيشجبون ويستنكرون الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية؛ ويتكاتفون لمناصرة أمريكا لتحرير الكويت من احتلال العراق لتأمين مصالحها (سنة 1990)؛ لذلك يطبل ويزمر بعضم عندما تحتل أمريكا العراق (من 2003 إلى 2011)!!! في الوقت نفسه، يعيشون في غيبوبة وتجاهل تام من احتلال سوريا للبنان لمدة 29 عامًا، مع جرائمها ومذابحها فيها (من 1976 إلى 2005)!!! يعلمون أبنائنا في المناهج عن مذبحة صبرا وشاتيلا ويركزون على تورط إسرائيلي بها، ويغيبون طبعًا شراكة جيش لبنان الجنوبي لها؛ ويمسحون من التاريخ تمامًا مذبحة تل الزعتر للفلسطينيين التي قام بها السوريين بتواطؤ لبناني، وقتل فيها ثلاث أضعاف ما قتل في صبرا وشاتيلا! يشجبون ويستنكرون الهجوم الاسرائيلي على غزة ومقتل عشرات من الفلسطينيين فيه، ويسمون هذا تطهير عرقي، ويدعون لمؤتمرات قمة طارئة، وتقطر من قلوبهم "الطاهرة" "العدالة" و"الحق"! ويتجاهلون تمامًا قصف السعودية لليمن، ومقتل مئات من الحوثيين في كل غارة، معظمهم من المدنيين! ويتجاهلون قصف النظام السوري لمناطق سكنية ومقتل مئات وآلاف من السوريين في كل غارة! وبخصوص الأزمة السورية، أين دعوات القادة العرب لمؤتمرات قمة لنقاش جرائم الحرب للنظام السوري والمليشيات المقاومة له؟! أيضًا يرفض معظمهم اللاجئين السوريين في أراضيهم؛ ويتجاهلون تمامًا مقتل حوالي نصف مليون سوري! وهو أكثر من خمس أضعاف، ما قتل من الفلسطينيين ومن جيش الإنقاذ العربي خلال الصراع العربي الاسرائيلي كله في آخر 100 سنة!!! وتشرد منهم حوالي اثني عشر مليون (وهو أكثر بـ 15 ضعف مما تشرد من الفلسطينيين على مدار 28 سنة؛ 1948-1968). 
أين السياسيين العرب الذين يحبون العدل؟ أين الأمم المتحدة وطاقتها الملتهبة لعقد الجلسات لمناقشة هذه الكوارث، بقراراتها "العادلة"؟ لماذا لم يدع العرب لمؤتمر قمة واحدة لدراسة الحرب الأهلية في السودان الذي راح ضحيتها حوالي مليونين ونصف إنسان في آخر عشرين سنة فقط! هل هؤلاء السياسيين رجال عدل، أم سفاحين؟ والقائمة طويلة يا أخي العزيز من كذب وافتراء، تواطؤ مع الإرهاب، داعش، الحرب الباردة والحارة ضد الحزام الشيعي المتشكل في شمال الجزيرة العربية؛ الصفقات السياسية، الانحلال والفساد، الظلم والطغيان، التطهير العرقي والعنصري ضد الأقليات...!! لست أبرئ الاسرائيليين طبعًا؛ لكن مشكلة هذا العالم الفاسد أنه يلبس العدل كقناع، فقط ليختار شرائح "عدل" بشكل يتناسب مع التوائه وفساده ومصالحه. ويخلع قناع العدل عندما يرتكب جرائمه الأبشع، وليغض البصر عن جرائم المتخاذلين معه! فهل تريد أن تأكل معهم وجبه دموية من فطائر "العدل" على طبقهم المتعفن الفاسد؟ أم تريد أن تكون ذنبًا لهم يا أخي المؤمن الذي اشتريت بدم المسيح؟
"13 وَيَجْعَلُكَ الرَّبُّ رَأْسًا لاَ ذَنَبًا، وَتَكُونُ فِي الارْتِفَاعِ فَقَطْ وَلاَ تَكُونُ فِي الانْحِطَاطِ، إِذَا سَمِعْتَ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لِتَحْفَظَ وَتَعْمَلَ" تثنية 28.

جميع هؤلاء يا عزيزي لا يعرفون معنى العدل الإلهي الممتزج بالبر والسلام، دون انفصال؛ فهل تريد أن تصنع تغييرًا في مفاهيمهم؟ أم تريد أن تكون تابعًا لهم؟

عندما يسلك المؤمن بهويته الوطنية الجديدة في المسيح؛ يصبح رأسًا لبلده، يروج حكمة الله التي حتى إذا زالت الأرض، لن تزول؛ يرى العدل بحسب منظار الله، دون تحيز ومعايير مزدوجة؛ وسيعطيه الرب قلبًا طاهرًا يتألم مع المتألم دون تحيز أو تمييز. ويسكب نفسه للظالم والمظلوم معًا أمام الله.

سنتابع في المقال القادم الموضوع نفسه، عن أمور أخرى إضافية تساعدني على السلوك بهويتي الوطنية الجديدة في المسيح.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا

مقالات تابعة للسلسلة نفسها
إن الكتاب المقدس يذكر العشرات من الأمور التي تصف حياتنا قبل قبولنا لحياة المسيح، إن الوحي أيضًا يؤكد أن العالم بعد سقوط آدم، ابتدأ يسود عليه نظام الموت
يجب أن نعطي فرصة لله أن يستبدل محبتنا الجسدية القديمة لشعبنا، بمحبة إلهية جديدة له. فمهما كانت نيتي نقية ومهما حاولت أن أعمل لشعبي بكل جهد وإخلاص، أعمال الجسد لا تقدر أن تخدم أو تخضع
لارسال اخبار كنيستكم أو مقالات: info@linga.org
ملاحظة عامة: جميع المشاركات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.

التعليق على مسؤولية المعلق فقط وهذا ليس بالضرورة رأي الموقع.
loader